الرسالة الفكرية  الرسالة الفكرية

رواية حمار الحكيم ..(الفصل1،2)




الأديب /توفيق الحكيم


الفصل (1)... التعرف على حمار الحكيم

عرفته في أول أيام الصيف الماضي..في قلب القاهرة..وفي شارع من أفخم شوارعها..كنت أسير في ذلك الصباح إلى حانوت حلاقي ..وكان الهواء حار ممزوجا بنسيم لطيف ..وكان صدري منشرحا فقد صادفت وجها مليحا ، لغادة شقراء هبطت معي بكلبها في مصعد الفندق الذي كنت أتخذه منزلا، مشيت وكأني أصفر بفمي وأترنم ..وأشرفت على حانوت الحلاق ..وإذ أنا أراه..أرى ذلك الذي كتب لي أن يكون صديقي ..
رأيته يخطر على الإفريز كأنه غزال ، وفي عنقه الجميل رباط أحمر وإلى جانبه صاحبه : رجل قروي من أجلاف الفلاحين ..ووقف المارة ينظرون إليه ويحدقون ، وبجمال منظره ورشاقة خطاه يعجبون ..لقد كان صغير الحجم كأنه دمية ..أبيض كأنه قُدّ من رخام ،بديع التكوين كأنه من صنع فنان ..وكان يمشي مطرقا في إذعان ،كأنما يقول لصاحبه : اذهب بي إلى حيث شئت فكل ما في الأرض لا يستحق من رأسي عناء الالتفات..
ذلك هو "الجحش " الصغير الذي استرعى أنظار الناس في ذلك الشارع الكبير ..ومنظر جحش في مثل هذا الحي كاف وحده لالقاء العجب في النفوس .. ولكن ذلك الجحش كان ولا ريب جميلا في الجحوش ..فقد كانت عيون المارة تشع بالإعجاب قبل العجب ..ووقفت به سيدات انجليزيات داخلات محل"جروبي" فما تمالكن أنفسهن من إظهار الحب له ..فلو انه شيء يحمل لما ترددن في اقتنائه وحمله كما تقتني الحلي وتحمل ..وكان صاحبه يريد بيعه فيما خيل الي ..فلقد سمعته يقول لمن أحاط به من مارة وباعة صحف وغلمان ..
- بخمسين "قرش" !
وكانت قدماي على الرغم مني تسيران بي مع الجمع المحيط بالجحش ..وكانت عيناي على الرغم مني لا تنحرفان عن النظر الى هذا المخلوق الصغير الجميل ، وإذا بفمي على الرغم مني ينطلق صائحا :
- بثلاثين" قرش" !
فالتفت الجمع كله نحوي ..ودار لغط وارتفع كلام .وإذ بي أرى رجلا قد انبرى من بين الجمع ،هو بائع صحف يعرفني ويبيعني صحفه ، قد تطوع للعمل باسمي ،فجذب الججش من بين يد صاحبه الفلاح الحريص ،وصاح في وجهه :
-سيدنا البك أمر ، أمره يمشي على رقبتنا !
فاطبق الفلاح يده على رقبة الجحش وصاح:
-ثلاثين قرش ! هو فرخة رومي !
-عيب ياجدع أنت ترد على البك الكلام !
-والله ما افرط فيه بأقل من أربع برايز !

وحمى الشد والجذب بين الرجلين .. حتى كاد ينخلع في ايديهما عنق الجحش المسكين .. وانتهى الامر بانتصار سمساري المتطوع..
فقد صارت في يده البضاعة قسرا ..فالتفت الي قائلا :
-هات يابك الثلاثين قروش.
فتردد البائع وتراخى ولكنه أراد مع ذلك أن يحتج قليلا فأغلق الرجل فمه بقبضته وصاح :
-اسكت إلا أخرشمك !.. هات ياسيدنا البك الفلوس واستلم الجحش مبارك عليك ..بيعة حلال بنت حلال !

وتقدم نحوي ساحبا الحمار ليسلمني قيادة الأحمر المتدلي من عنقه .. هنا ذهبت السكرة وجاءت الفكرة ..لقد تمت الصفقة من حيث لا أرجو في حقيقة الأمر ولا أنتظر ..فقد جرى كل شيء وأنا في شبه غيبوبة فالثمن الذي حددته بثلاثين قرشا إنما خرج من فمي
دون تفكير أو تدبير ..رقم لفظ على سبيل الدعابة ..فإذا الهزل يصبح جدا ..ودخل الان الجحش في ملكي وحيازتي.. فما عساي أصنع به الآن وانا داخل حانوت الحلاق .. وأين أضعه و لا منزل
لي غير حجرة وحمام في فندق معروف ؟..
وفوق هذا فجيبي كان خلوا وقتئذ من مبلغ الثلاثين قرشا ..فلم أكن أحمل ذلك الصباح غير ورقة مالية كان في عزمي استبدالها بنقود صغيرة فأردت الرجوع في الصفقة ..فتعذر علي الأمر ..ولاحقني البائع والسمسار بالحمار ..

فقلت منزعجا مرتبكا وأنا أشير الى حانوت الحلاق
-لكن .. أنا داخل أحلق ..
فاجاب بائع الصحف من الفور!
-تفضل حضرتك احلق في امان الله ..وأنا أقعد لك "بلا قافية " بالجحش على الباب في انتظارك..
فقلت متململا حائرا :
-وحتى المبلغ..
فعاجلني الرجل قائلا :
-أنا أفك لحضرتك حالا من عند الدخاخني ..
وسد الرجلان في وجهي المسالك ، ولم يشفع لي عندهما قول ولا حجة .. ولم يفد اعتذار ..ولزمني الحمار ..فأذعنت..وأشرت إليهما فتبعاني به إلى حانوت الحلاق .. ودخلت ..فقلت للحلاق أن يؤدي عني الثمن من صندوقه ..فأداه .. وانصرف الفلاح ووقف بائع الصحف على باب الحانوت بالجحش ..يطرد المتجمعين حوله من المارة والغلمان وأهل الفضول ..
وأنا جالس أفكر في الأمر وما أنا صانع بعد ذلك بهذا الحمل ، والحلاق يلطخ ذقني بالصابون ويتغزل في جمال الجحش ويثني على رزانته ويتحدث عما يلزم له من الغذاء والخدمة ..ويتنبأ بما ينتظره من مستقبل باهر يوم يغدو كالفرس الأشهب ..وبقية زبائن الحانوت ينظرون إليّ وإلى كل هذا ويكتمون ضحكهم ويخفون في رؤوسهم ما خالجهم في أمري من ظنون ، إلى أن فرغت من الحلاقة فنهضت ودفعت الورقة المالية إلى صاحب الحانوت فأخذ ما له عندي ..وخرجت فاستقبلني بائع الصحف ..وقدّم إليّ زمام الجحش وهو يقول :
-اطلقه حضرتك يجري في الجنينة !
فقلت كالمخطاب نفسي :
- لو كانت الجنينة موجودة لهانت المسألة
فقال الرجل:
-اطلقه على السطح والا في الحوش مع من غير لامؤاخذة الخرفان..
فقلت وقد تخيلت مسكني في الفندق :
- وإن كنا نطلقه في الحمام .
فقال الرجل فاغراً فاه :
- الحمام ؟ !
فلم ارد على إعتراضه واستغرابه وقلت له آمراً:
- اسبقني به على لوكاندة "...."
*****
نعم لقد فكرت في الأمر فوجدت أنّ هذا الجحش الجميل ليس أهون قدرا ولا أقل ظرفا من ذلك الكلب الذي رأيته اليوم في صحبة الفتاة الشقراء..فما الضرر أن يصحبني اليوم فأنزله ضيفا عليّ يقاسمني حجرتي حتى العصر ، لقد كنت أزمع السفر عصر ذلك اليوم بالذات إلى ريف قريب في مهمة غريبة ، يأتي بيانها بعد عما قليل ..فليبق معي اذن إلى أن أذهب به إلى الحقول فأطلقه يرتع فيها ويمرح ..على أن ما شغل بالي هو أمر طعامه اليوم ..
لقد كان الحلاق يتحدث فيما تحدث عن غذائه أنه لن يطعم غير اللبن فهو رضيع فيما يرى، ابن يوم أو يومين ،وقد انتزع من ثدي أمه انتزاعا ليباع في شوارع القاهرة ..ولعل ذلك لعسر صاحبه ..
فالفلاح إذا جاع باع كل ما يمكن أن يباع ..من يدري لعل هذا الرضيع اليتيم هو آخر حلقة من سلسلة شقاء طويل .. ولم أسترسل في التأمل ..فقد تجمع حولنا الناس من جديد ..فأشرت إلى بائع الصحف أن يسرع بالجحش أمامي وأنا أتبعه عن كثب .فجذبه من رباطه الأحمر فمشى المسكين مشيته الرزينة في إطراقه وإذعانه ، دون أن يعنى بتبدل الصاحب وتبدل المصير ..وجعلت أتأمله من بعيد في مشيته ..إنها تشبه مشيتي أحيانا ..إذ يخيل اليّ في لحظات
كأن رأسي قد ارتفع عن لجة الوجود المنظور إلى فضاء الوجود غير المنظور فأمرّ بالحياة مذعنا .. لا أحفل بمن معي ولا بمعرفة وجهتي ..نعم ، إن مشيتي كمشيته أحيانا ..ونظراتي أحيانا كنظراته الجامدة
المشرفة على عالم ساكن صاف مجهول ، قد أغلقت دون الآدميين
أبوابه السبعة المختومة بسبعة أختام ..
اللهم اغفر لي هذا الغرور ، إذ أرفع نفسي لأى مقام التشبه بهذا الكائن العجيب !



الفصل 2 ...اول أيام الحمار في الفندق

بلغنا الفندق ..

فأومأت إلى أحد الخدم الواقفين ببابه ..فأقبل نحوي وهو نوبي أمين اعتاد أن يقوم بخدمتي ويعنى بأمري واعتدت أن أسخو عليه وأبذل له في العطاء ..فلما دنا مني أريته الجحش في يد السمسار..وطلبت إليه همساً أن يحمله بين ذراعيه ويصعد به سلم الخدم ويضعه في حمام حجرتي ..فحملق الرجل في وجهي بعينيه ..
فأخرجت من جيبي قطعة فضية دسستها في كفه ، أفاقته من عجبه،
وهيأته لصنع المستحيل ..فأطبق على الجحش واحتضنه وذهب به وهو يتلفت يمينا وشمالا خشية ان يراه من يوشي به لدى مدير الفندق..
ونظرت إلى بائع الصحف فرأيته يفرك كفيه في انتظار الأجر ..
فدفعت اليه هو الآخر قطعة فضية لثمها سرورا ..
وانصرف وهو يرفع يديه الى السماء ويقول :
-ربنا يهنيك به !..ربنا يبقيه لك ..ربنا ما يحرق لك عليه كبد ..
وغاب عن عيني في منعطف الطريق ..وأنا أنظر إليه ولا أدري إن كان يسخر مني أم يقول جدا ..


ودخلت الفندق من بابه الكبير الدائر ووقفت في البهو قليلا أتصفح وجوه النازلين من سائحين وسائحات ، ثم ارتقيت بالمصعد إلى حجرتي في الطابق الخامس ، ودخلتها فألفيتها كما تركتها،
كل شيء فيها قائم في مكانه على احسن ترتيب ..كتبي وورقي فوق المكتب وملابسي في الخزانة وفوق المشجب ..و"جراموفوني"
واسطواناتي .. وأواني الزهر فوق المناضد ..وأصص الورد على حاجز الشرفة .. لا شيء مطلقاً يدل على أن في هذا المكان "دابة ركوب"..
واتجهت الى الباب الصغير الموصل إلى الحمام الملحق بحجرتي وفتحته وإذ أنا أمام الجحش واقفا رزينا مطرقا على عادته ..فتأملته لحظة في اعجاب ، ثم تركته إلى هدوئه وصفائه ، وعدت الى الحجرة وضغطت على زر الجرس ثم ارتميت في مقعدي الكبير إلى جوار باب الشرفة ..
وما لبث بابي أن طرق عليّ ..ثم ظهر خادم الطابق ..
فابتدرته قائلا:
-واحد قهوة لي ، وواحد لبن لل.. وأشارت عيني على الرغم مني إلى جهة الحمام ..ولكني لم أستطع أن أتم الكلام ..فهذا الخادم ليس عنده بعد علم بالموضوع ..
فقال سائلا في أدب:
- لمين !
-..بعدين تعرف..
قلتها على عجل وأنا أومئ إليه بيدي لينصرف إلى تلبية الأمر ..

وذهب الخادم ثم عاد بعد قليل يحمل صينية جميلة من "الكريستوفر" عليها فنجانان نظيفان وإبريقان لامعان..ووضع احد الفنجانين مع ابريق القهوة أمامي ثم وضع الآخر مع ابريق اللبن تجاهي وجذب كرسيا من ركن الحجرة وضعه أمام الفنجان الثاني ، فما تمالكت نفسي من الابتسام ..
وخرج الرجل وأغلق خلفه الباب في لباقة وكل شيء فيه يدلّ على انه قد فهم ..فهم ما يخطر على بال خادم فندق اعتاد أن يحضر "طلبات" المواعيد اللطيفة ،في الخلوات الظريفة ..
وما كدت أخلو الى نفسي ، حتى أسرعت الى الحمام بفنجان من اللبن وضعته على " سجاد الفلين" تحت فم الجحش ..
وانتظرت أن يرشف هذا الصديق من اللبن رشفة أو رشفتين ..
فاذا هو جامد لا يتحرك وإذا عيناه تنظران إلى الفنجان في غير اكتراث.. كما تنظر عين الزاهد الى لذات الحياة ..
فعجبت وقلت في نفسي : هذا مستحيل ..مهما يبلغ زهد هذا الفيلسوف فإن فنجانا من اللبن لا يعد من الترف في شيء ، ولا أحسب بعد، أن هذا المخلوق الصغير يستطيع أن يتحمل الصوم وقتا طويلا ..

لابد من علّة في الامر .. وأعجزني معرفة السبب ..فأنا حديث عهد بمعرفة طباع هذا النوع اللطيف من المخلوقات فإن جلّ معارفي
منحصرة في ذلك النوع المبتذل الذي يسمونه النوع "الانساني" ..
وهو على ما رأيت منه لا يأبى مطلقا التهام ما يقدم إليه مما يؤكل
ومما لا يؤكل ..حتى لحم أخيه .. وهو دائما جوعان ، عطشان إلى شيء .. وهو لا يصنع شيئا الا لغاية و مأرب ، حتى صلاته وصيامه ..

ورأيت آخر الأمر أن أسترشد بالحلاق فهو فيما يخيل اليّ عليم بما لا اعلم من هذا الأمر ..
فتركت حجرتي وهبطت إلى الطريق سريعا .. ومشيت الى حانوت الحلاق .. وإذ بي أعثر بالسمسار فما كاد يراني حتى صاح بي باسما:
- إزاي حال "اسم الله عليه" ؟
فضحكت وقلت له :
- اسمع يا .. انت اسمك إيه ؟
- محسوبك دسوقي .
- اسمع يادسوقي .. انت مش قلت إنه يشرب لبن ؟
- معلوم يشرب لبن .
- وإيه رأيك إنه مارضاش حتى يلتفت للفنجان !
فحملق الرجل في وجهي وقال :
-فنجان ؟
فقلت:
-أيوه ..طلبت له واحد لبن
فقاطعني الرجل صائحا :
- طلبت له واحد لبن !!..هو من غير مؤاخذة سَوّاح من السواحين !! دا ياسيدنا البك جحش ابن يومين بالكتير بيرضع من بز أمه ..
دا لازم له من غير مؤاخذة "بزازة" من الأجزخانة ..
فأدركت في الحال مقدار جهلي وغباوتي وقلت:
- آه صحيح ..عندك حق .

وتركته ..وأسرعت الى اجزاخانة قريبة فدخلتها وطلبت من فوري "بزازة" ..
فسألني الأجزجي :
- الولد عمره أد إيه ؟
فارتبكت وقلت :
-والله مش ولد .
فقال الاجزجي :
-البنت .
- ولا بنت .
فحملق الرجل في وجهي كالمخاطب لنفسه :
- لا ولد ولا بنت !..يبقى إيه . فيه نوع ثالث جديد ما أعرفوش ؟
فأردت ان أوفر عليه مؤونة العجب فبادرت قائلا :
- هو في الحقيقة ..
- آه مش ابن حضرتك
-ابني ! .. طبع لا ، مش ابني ، دا جحش صغير ..
-جحش !..آه أنا آسف . لامؤاخذة ..
وظهر على الاجزجي الحرج واسرع يحضر لي ما طلبت وقدم إليّ زجاجة كبيرة في طرفها ثدي من المطاط وقال :
- دي بزازة كبيرة تنفع لجحش كبير ..
لا مؤاخذة
فابتسمت وقلت له :
- العفو لاداعي للمؤاخذة ..
وأنقدته الثمن ... وخرجت أحمل "البزازة " عائدا بها الى الفندق ..

وصعدت الى حجرتي ..فوجدت بابها مفتوحا ..وذكرت أني تركته كذلك سهوا عند ذهابي ..واتجهت من فوري الى الحمام ، ففطنت إلى أني نسيت إغلاق بابه أيضا قبل انصرافي ..
وألقيت من فوري نظرة في أنحاء المكان فلم أجد أثرا لصاحبي فأسقط في يدي .. وحرت في أمري .. أين وكيف اختفى ؟ ..
أتراه خُطف أم تسرب؟ ... وخرجت إلى بهو الطابق ..
فإذا بي أسمع ضحكات رقيقة تنبعث من احدى الحجرات .. فمشيت نحو الصوت .. فألفيت نفسي أمام حجرة بابها مفتوح.. وأبصرت الجحش واقفا أمام مرآة طويلة لخزانة ملابس يتأمل نفسه مليا ،
وإلى جانبه الغادة الشقراء تضحك عن ثغر يسطع نوراً..
لم أدر ماذا أصنع ..فلزمت موقفي أنظر ولا أنبس إلى أن حانت من الفتاة التفاتة شطر الباب ، فرأتني ورأت "البزازة" في يدي ..
فأدركت ونشطت نحوي تقول :
-عفوا يا سيدي ..أهو ؟
-نعم ياسيدتي ..هو ..
وأومأت برأسي إيماءة تفصح عن صلتي بالجحش فضحكت وأقبلت عليّ تقول :
-لقد كاد يحدث ثورة في الطابق منذ قليل ولكنها ثورة لطيفة ...
لقد جعل يسير في البهو بكل إطمئنان ، ويدخل كل حجرة يجد بابها مفتوحا ، ويتوجه توّا إلى كل مرآة يصادفها ، فيطيل النظر إلى نفسه ..لقد سمعت قاطن الحجرة المجاورة يلفظ صيحة دهش ..
فقد كان أمام مرآته يعقد رباط رقبته وإذا هو فجأة يرى في المرآة
أن بين ساقيه جحشاً ..
قالت الفتاة ذلك وأُغرقت في الضحك ..فضحكت انا ايضا ..
ثم سألتها :
- وكيف استقر به المطاف في حجرتك ؟
فأجابت :
- بعين الطريقة ..يبدو لي أنه انطلق من بين قدمي الجار منفزعا
من صيحته ، واتجه الى بابي ، فدخل عليّ بغير استئذان ، وتأمل
صورته في مرآتي بغير أن يعيرني التفاتا ..
فقلت :
-ياله من أحمق ..شأن أكثر الفلاسفة !..يبحثون عن أنفسهم في كل مرآة ولا يعيرون الجميلات التفاتا ..
فابتسمت عن ثغرها البديع ابتسامة رضا ..وقالت وقد اتخذ وجهها هيئة الجد فجأة :
-حقا لست ادري ما شدة اهتمامه بهذا الأمر..
فقلت:
- لقد نسى فيما أرى شأن جسده وأنكر أمر "المادة " فهو لم يطعم شيئا حتى الساعة ..
فأشارت الى "البزازة" في يدي :
-ألم تقدم له شيئا من اللبن ؟
-قدمت له ذلك فلم يعجبه ..
وقصصت عليها ما فعلت ، فضحكت مني كما ضحك السمسار من قبل .. وقالت:
-يبدو ياسيدي أنك لم تكن قط أبا ..
فقلت:
-صدقت فراستك يا سيدتي ..ذاك أول عهد بالأبوة !
فمدت يدها نحو" البزازة" وقالت:
-إذا أذنت فإني أتولى عنك هذه المهمة ..فإن المرأة على كل أحذق
بمثل هذا العمل وأجدر ...
- إنها مِنّة عظيمة وفضل منك يا سيدتي .. لا أنساه..

قلت ذلك وتركت لها الجحش وأداة إطعامه ، وقدراً من اللبن ، أمرت بحمله اليها..
وانصرفت إلى شأني حامدا شاكراً ..
***

الرواية كاملة هنا



جميع الحقوق محفوظة

الرسالة الفكرية

2019


تطوير

ahmed shapaan