الرسالة الفكرية  الرسالة الفكرية

الْنَبْهِان في شَرْح أحَادِيثِ اللؤلؤِ وَ المرْجَان(الحديث الأول)

كتاب النبهان


مقدمة النبهان .
نبدأ بسم الله الرحمن الرحيم اليوم 22 من المحرم 1441 هـ في تصنيف كتاب شرح أحاديث كتاب" اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان" أي الإمامين البخاري ومسلم في صحيحيهما من أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، تأليف الأستاذ /محمد فؤاد بن عبد الباقي بن صالح بن محمد (المتوفى: 1388هـ) ، وعدة أحاديث الكتاب قاربت ألفي حديث .

الحديث رقم (1):

(من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم دخل النار) 1- حديث مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَخْطُبُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ )

هذا الحديث أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه وهو الحديث الاول له ، وأخرجه البخاري في كتاب العلم- رقم (106) .

قال الحافظ ابن حجر في الفتح :

مَنْصُور هُوَ بن الْمُعْتَمِرِ الْكُوفِيُّ وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَرِبْعِيٌّ ،وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ،
"قلت.(سَمِعَ عَلِيًّا) أي علي بن أبي طالب رضي الله عنه "،
 وقَوْلُهُ (
لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ) هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ كَاذِبٍ مُطْلَقٌ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْكَذِبِ وَمَعْنَاهُ لَا تَنْسِبُوا الْكَذِبَ إِلَيَّ ،وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ (علىَّ)، لِأَنَّهُ لايتصور أَنْ يُكْذَبَ لَهُ لِنَهْيِهِ عَنْ مُطْلَقِ الْكَذِبِ ، وَقَدِ اغْتَرَّ قَوْمٌ مِنَ الْجَهَلَةِ فَوَضَعُوا أَحَادِيثَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَقَالُوا نَحْنُ لَمْ نَكْذِبْ عَلَيْهِ بَلْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لِتَأْيِيدِ شَرِيعَتِهِ، وَمَا دروا أَنَّ تَقْوِيلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ ،يَقْتَضِي الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ ،وَكَذَا مُقَابِلُهُمَا وَهُوَ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ ،
وَلَا يُعْتَدُّ بِمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنَ الْكَرَامِيَّةِ حَيْثُ جَوَّزُوا وَضْعَ الْكَذِبِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِي تَثْبِيتِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ،وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ كَذِبَ لَهُ لَا عَلَيْهِ ،وَهُوَ جَهْلٌ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ مِنْ زِيَادَةٍ لَمْ تَثْبُتْ وَهِيَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار من حَدِيث بن مَسْعُودٍ بِلَفْظِ "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ "الْحَدِيثَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ إِرْسَالَهُ وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ،
وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ ،فَلَيْسَتِ اللَّامُ فِيهِ لِلْعِلَّةِ ،بَلْ لِلصَّيْرُورَةِ كَمَا فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى (
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ) وَالْمَعْنَى أَنَّ مَآلَ أَمْرِهِ إِلَى الْإِضْلَالِ أَوْ هُوَ مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ بِالذِّكْرِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى( لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا اضعافا مضاعفة ) (وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم من إملاق) فَإِنَّ قَتْلَ الْأَوْلَادِ ،وَمُضَاعَفَةَ الرِّبَا ،وَالْإِضْلَالَ،
 فِي هَذِهِ الْآيَاتِ إِنَّمَا هُوَ لِتَأْكِيدِ الْأَمْرِ فِيهَا ، لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ .
قَوْلُهُ (
فَلْيَلِجِ النَّارَ
) جَعَلَ الْأَمْرَ بِالْوُلُوجِ مُسَبَّبًا عَنِ الْكَذِبِ لِأَنَّ لَازِمَ الْأَمْرِ الْإِلْزَامُ ،وَالْإِلْزَامُ بِوُلُوجِ النَّارِ سَبَبُهُ الْكَذِبُ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ .

وقال محي الدين النووي في الشرح:
(يَلِجِ النَّارَ) أي: يدخلها، وماضيه: وَلَجَ، ومصدره: الوُلُوج؛ ومنه قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ.

وصَدرُ هذا الحديث نهيٌ، وعجزه وعيدٌ شديد، وهو عامٌّ في كلِّ كاذبٍ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومطلقٌ في أنواعِ الكذب.
ولمَّا كان كذلك، هابَ قومٌ من السلف، الحديثَ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - كعمر، والزبير بن العَوَّام، وأنس بن مالك، وابن هرمز - رضي الله عنهم أجمعين -؛ فإن هؤلاء سمعوا كثيرًا وحدَّثوا قليلًا؛ كما قد صرَّح الزبير - رضي الله تعالى عنه - بذلك؛ لمّا قال له ابنه عبد الله - رضي الله عنه -:
 إني لا أَسمَعُكَ تحدِّثُ عن رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كما يُحَدِّثُ فلانٌ وفلان؟
 فقال: أَمَا إنِّي لم أكن أفارقهُ، ولكني سمعته يقول: مَن كَذَبَ عليَّ، فليتبوَّأ مقعدَهُ من النار. وقال أنس: إنَّه يمنعني أن أحدِّثَكُم حديثًا كثيرًا أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كَذَبَ عليَّ. ." الحديث.
ومنهم: مَن سَمِعَ وسكت؛ كعبد الملك بن إياس، وكأنَّ هؤلاءِ تخوَّفوا مِنُ إكثار الحديث الوقوعَ في الكذب والغلط؛ فقلَّلوا، أو سَكَتوا.
غير أنَّ الجمهور: خصَّصوا عموم هذا الحديث، وقيَّدوا مطلقَهُ بالأحاديث التي ذُكِرَ فيها: متعمِّدًا؛ فإنَّهُ يُفهَمُ منها أنَّ ذلك الوعيدَ الشديدَ إنما يتوجَّه لمن تعمَّد الكذبَ على رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ وهذه الطريقة هي المرضيَّة؛ فإنَّها تجمعُ بين مختلفاتِ الأحاديث؛ إذ هي تخصيصُ العموم، وحملُ المطلق على المقيَّدِ مع اتحادِ المُوجِب والمُوجَب، كما قرَّرناه في الأصول.
(
قلت.لكن لنا ما اخرجه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ "
 وعن عمر بن الخطاب وعبد الله ابن مسعود قالا: " بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ " )  .

هذا مع أنَّ القاعدةَ الشرعيَّةَ القطعيَّةَ تقتضي أنَّ المخطئ والناسي غيرُ آثمَينِ ولا مؤاخَذينِ، لا سيَّما بعد التحرُّز والحذر.

2 - حديث أَنَسٍ قال: إِنه لَيَمْنَعُنِى أَنْ أحدّثكم حديثًا كثيرًا أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (مَنْ تعمَّدَ عليّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار)

3 - حديث أبي هُرَيْرَةَ: عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (ومَن كَذَب عليّ مُتعمِّدًا فليتبوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار)

4 - حديث الْمُغِيرَةِ: قال سمعتُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (إِنَّ كذِبًا عليّ ليس ككذِبٍ على أحدٍ، مَن كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ منَ النار )

شرح ابن حجر : والمغيرة هُوَ بن شُعْبَةَ ..
قوله(
لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ
قوله( لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ) أَيْ غَيْرِي ،
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْكَذِبَ عَلَى الْغَيْرِ قَدْ أُلِفَ وَاسْتُسْهِلَ خَطْبُهُ وَلَيْسَ الْكَذِبُ عَلَيَّ بَالِغًا مَبْلَغَ ذَاكَ فِي السُّهُولَةِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي السُّهُولَةِ فَهُوَ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْإِثْمِ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنْ أَوْرَدَ أَنَّ الَّذِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ الْكَافُ أَعْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ ،
وَكَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْكَذِبِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْكَذِبُ عَلَى غَيْرِهِ مُبَاحًا ،بَلْ يُسْتَدَلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ،أَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ تُوُعِّدَ فَاعِلُهُ بِجَعْلِ النَّارِ لَهُ مَسْكَنًا بِخِلَافِ الْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ .


وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْكَذِبَ عَلَى الْغَيْرِ قَدْ أُلِفَ وَاسْتُسْهِلَ خَطْبُهُ وَلَيْسَ الْكَذِبُ عَلَيَّ بَالِغًا مَبْلَغَ ذَاكَ فِي السُّهُولَةِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي السُّهُولَةِ فَهُوَ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْإِثْمِ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنْ أَوْرَدَ أَنَّ الَّذِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ الْكَافُ أَعْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ ،
وَكَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْكَذِبِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْكَذِبُ عَلَى غَيْرِهِ مُبَاحًا ،بَلْ يُسْتَدَلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ،أَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ تُوُعِّدَ فَاعِلُهُ بِجَعْلِ النَّارِ لَهُ مَسْكَنًا بِخِلَافِ الْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ .

*****

قل رأيك واكتب تعليقك وهو يهمنا

التعليقات



إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

الرسالة الفكرية

2019


تطوير

ahmed shapaan