الرسالة الفكرية  الرسالة الفكرية

جامع أحمد بن طولون بالقاهرة

جامع ابن طولون


تمهيد :

اعلم أنه من حين فتحت مصر لم يكن بها مسجد تقام فيه الجمعة سوى جامع عمرو بن العاص،
 إلى أن قدم عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس من العراق في طلب مروان الحمار سنة(133 هــ)  ثلاث وثلاثين ومائة، فنزل عسكره في شمالي الفسطاط وبنوا هنالك الأبنية، فسمي ذلك الموضع بالعسكر، وأقيمت هناك الجمعة في مسجد فصارت الجمعة تقام بجامع عمرو وبجامع العسكر،
 إلى أن بنى السلطان أحمد بن طولون جامعه حين بنى القطائع (سنة 266 هـ) ، فأبطلت الخطبة من جامع العسكر، وصارت الجمعة تقام بجامع عمرو، وبجامع ابن طولون،
 إلى أن قدم جوهر القائد، واختط القاهرة، وبنى الجامع الأزهر في سنة (360 هــ) ستين وثلاثمائة، فصارت الجمعة تقام بثلاثة جوامع.

من هو أحمد بن طولون :

أحمد بن طولون التركي والي مصر، وأضيفت إليه نيابة الشام والعواصم والثغور وإفريقية، فأقام مدة طويلة، وفتح مدينة أنطاكية،
 وكان أبوه طولون من الأتراك الذين أهداهم نوح بن أسد الساماني عامل بخارى إلى المأمون في سنة مائتين، ويقال إلى الرشيد في سنة (190 هــ) تسعين ومائة،
 وولد ابنه أحمد في سنة أربع عشرة ،وقيل: عشرين ومائتين (220)، ومات طولون سنة ثلاثين، وقيل: سنة أربعين.

نشأة الجامع :

وبنى أحمد بمصر جامعه المشهور، بعد بنائه القطائع ، وهي مدينة بناها ما بين سفح الجبل حيث القلعة الآن، وبين الكبارة وما بين كوم الجارح وقناطر السباع؛ فهذه كانت القطائع .
 هذا الجامع موضعه يعرف بجبل يشكر، قال ابن عبد الظاهر: وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء، وقيل: إن موسى عليه صلاة والسلام ناجى ربه عليه بكلمات.
وكان ابتداء بنائه في سنة (263هــ) ثلاث وستين ومائتين، وفرغ منه سنة ست وستين، وبلغت النفقة عليه في بنائه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار.
 وقيل: إنه قال: أريد أن أبني بناء إن احترقت مصر بقي، وإن غرقت بقي، فقيل: تبني بالجير والرماد والآجر الأحمر، ولا تجعل فيه أساطين خام، فإنه لا صبر له في النار؛
فبنى هذا البناء، فلما كمل بناؤه أمر بأن يعمل دائرة منطقه عنبر معجون ليفوح ريحها على المصلين، وأشعر الناس بالصلاة فيه، فلم يجتمع فيه أحد، وظنوا أنه بناه من مال حرام، فخطب
فيه، وحلف أنه ما بني هذا المسجد بشيء من ماله، وإنما بناه بكنز ظفر به، وإن العشار الذي نصبه على منارته وجده في الكنز  .
فصلى الناس فيه، وسألوه أن يوسع قبلته، فذكر أن المهندسين اختلفوا في تحرير قبلته، فرأى في المنام النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو يقول: يا أحمد، ابن قبلة هذا الجامع على هذا الموضع؛ وخط له في الأرض صورة ما يعمل. فلما كان الفجر مضى مسرعا إلى ذلك الموضع؛ فوجد صورة القبلة في الأرض مصورة، فبنى المحراب عليها، ولا يسعه أن يوسع فيه لأجل ذلك، فعظم شأن الجامع، وسألوه أن يزيد فيه زيادة، فزاد فيه.

قال الخطيب:
ركب أحمد بن طولون يومًا يتصيد بمصر، فغاصت قوائم فرسه في الرمل، فأمر بكشف ذلك الموضع، فظهر له كنز فيه ألف ألف دينار، فأنفقها في أبواب البر والصدقات، وبنى منها الجامع، وأنفق عليه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، وبنى المارستان، وأنفق عليه ستين ألف دينار.

كتاب الخطط للمقريزي:
 (وهو المؤرخ تقي الدين المقريزي والذي شغل العديد من وظائف الدولة في مصر ، حيث ولي فيها الحسبة والخطابة والإمامة ، ثم عمل مع الملك الظاهر "برقوق" ، له كتاب " السلوك لمعرفة دول الملوك " و كتاب " المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والاثار " ، المسمى بالخطط ، توفى عام 845 ه 1442 م )

قال المقريزي : بنى أحمد بن طولون جامعه على بناء جامع سامراء، كذلك المنارة، وبيضه وحلقه وفرشه بالحصر العبدانية، وعلق فيه القناديل المحكمة لسلاسل النحاس المفرغة الحسان الطوال، وحمل إليه صناديق المصاحف، وكان في وسط صحنه قبة مشبكة من جميع جوانبها، وهي مذهبة على عشرة عمد رخام مفروشة كلها بالرخام، وتحت القبة قصعة رخام سعتها أربعة أذرع، وسطها فوارة تفور بالماء، وكانت على السطح علامات للزوال وأسطح بدرابزين ساج،
 فاحترق هذا كله في ساعة واحدة في ليلة الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة (379)،
فلما كان في محرم سنة خمس وثمانين وثلاثمائة؛ أمر العزيز بالله بن المعز ببناء فوارة عوضا عن التي احترقت.

وقال المقريزي: ولما كمل بناء جامع بن طولون صلى فيه القاضي بكار  إمامًا، وخطب فيه أبو يعقوب البلخي،
وأملى فيه الحديث الربيع بن سليمان تلميذ الإمام الشافعي، ودفع إليه أحمد بن طولون في ذلك اليوم كيسا فيه ألف دينار  . وعمل الربيع
كتابًا  فيما روي عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة"،
ودسّ أحمد بن طولون عيونا لسماع ما يقوله الناس من العيوب في الجامع، فقال رجل: محرابه صغير، وقال آخر: ما فيه عمود، وقال آخر: ليس له ميضأة،
 فجمع الناس وقال: أما المحراب فإني رأيت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقد خطه لي، وأما العمد فإني بنيت هذا الجامع من مال حلال وهو الكنز، وما كنت لأشوبه بغيره، وهذه العمد إما أن تكون من مسجد أو كنيسة، فنزهته عنهما؛ وأما الميضأة، فها أنا أبنيها خلفه، ثم عمل في مؤخره ميضأة وخزانة شراب فيها، جمع الأشربة والأدوية، وعليها خدم، وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث من الحاضرين للصلاة، وأوقف على الجامع أوقافًا كثيرة سوى الرباع ونحوها، ولم يتعرض إلى شيء من أراضي مصر ألبتة.

الأحداث التي طرأت للجامع :

ثم لما وقع الغلاء في زمن المستنصر خربت القطائع بأسرها، وعدم السكن هنالك، وصار ما حول الجامع خرابًا.
وتوالت الأيام على ذلك، فتشعث الجامع، وخرب أكثره، وصارت المغاربة تنزل فيه بإبلها ومتاعها عند ما تقدم الحج، وتمادى الأمر على ذلك.
ثم إن حسام الدين لاجين ( المملوكي ت 798 ه)، لمَّا قتل الأشرف خليل بن قلاوون هرب، فاختفى بمنارة هذا الجامع فنذر إن نجاه الله من هذه الفتنة ليعمرنه، فنجاه الله، وتسلطن،
فأمر بتجديده، وفوض أموره إلى الأمير علم الدين سنجر الزيني، فعمّره ووقف عليه وقفًا، ورتب فيه دروس التفسير والحديث والفقه على المذاهب الأربعة والقراءات والطب، والميقات حتى جعل من جملة ذلك وقفا على الديكة تكون في سطح الجامع في مكان مخصوص بها؛ لأنها تعين الموقتين وتوقظهم في السحر.،
 فلما قرئ كتاب الوقف على السلطان أعجبه،كل ما فيه إلا أمر الديكة، فقال: أبطلوا هذا لا تضحكوا الناس علينا، فأبطل.
وأول من ولي نظره بعد تجديده، الأمير علم الدين سنجر العادلي، وهو إذ ذاك دوادار السلطان لاجين.
ثم ولي نظره قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ثم وليه أمير مجلس في أيام الناصر محمد بن قلاوون؛
 فلما مات وليه قاضي القضاة عز الدين بن جماعة.
ثم ولاه الناصر، للقاضي كريم الدين، فجدد فيه مئذنتين،
فلما نكبه السلطان عاد نظره للقاضي الشافعي إلى أيام السلطان حسن، فتولاه الأمير صرغتمس وهو من مماليك السلطان ابن قلاوون الناصري ؛ وتوفر في مدة نظره من مال الوقف مائة ألف درهم فضة، وقبض عليه وهي حاصلة،
 فباشره قاضي القضاة إلى أيام الأشرف شعبان، ففوض نظره إلى الأمير الجاي اليوسفي إلى أن غرق،
فتحدث فيه القاضي الشافعي إلى أن فوض الظاهر برقوق نظره إلى الأمير قطلوبغا الصفوي،
ثم عاد نظره إلى القضاة بعد الصفوي، وهو بأيديهم إلى اليوم.
(أي في حياة جلال الدين
السيوطي ، مؤلف كتاب" حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة"  توفى عام  911ه)
TvQuran


عن الموقع

مدونة أبو تامر- مذهبنا التحقيق وليس التقليد - تاريخ. ثقافة.عقيدة. فقه. حديث.تفسير

جميع الحقوق محفوظة

الرسالة الفكرية

2019


تطوير

ahmed shapaan