وعَسَى أَنْ تَكْرَهوا شَيْئًا وهُو خَيْرٌ لَكُم

الرضا بما كتبه الله

عسى ان تكرهوا شيئا

الرضا بما كتبه الله :

قال الله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) البقرة 216

عسى أَيْ قَرُبَ، فَقَوْلُكَ عَسَى زَيْدٌ أَنْ يَقُومَ تَقْدِيرُهُ عَسَى قِيَامُ زَيْدٍ أَيْ قَرُبَ قِيَامُ زَيْدٍ.
وقيل بمعنى :قد. و(عَسَى) تُوهِمُ الشَّكَّ مِثْلُ (لَعَلَّ) وَهِيَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يَقِينٌ،
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهَا كَلِمَةٌ مُطَمِّعَةٌ، فَهِيَ لَا تَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الشَّكِّ لِلْقَائِلِ إِلَّا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الشَّكِّ لِلْمُسْتَمِعِ ،
أَمَّا إِنْ قُلْنَا بِأَنَّهَا بِمَعْنَى (لَعَلَّ) كقَوْلِهِ تَعَالَى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الْبَقَرَةِ: 183]،
قَالَ الْخَلِيلُ: (عَسَى) مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ فِي الْقُرْآنِ قَالَ: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ [المائدة: 52] وقد وجد،
 وقال النبي يعقوب "عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً" [يُوسَفَ: 83] ، وَقَدْ حَصَلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قد يكون المكتوب شاقا :

رُبَّمَا كَانَ الشَّيْءُ شَاقًّا عَلَيْكُمْ فِي الْحَالِ، وَهُوَ سَبَبٌ لِلْمَنَافِعِ الْجَلِيلَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .
وقال الرازي: وَلِأَجْلِهِ حَسُنَ شُرْبُ الدَّوَاءِ الْمُرِّ فِي الْحَالِ لِتَوَقُّعِ حُصُولِ الصِّحَّةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ،
وَحَسُنَ تَحَمُّلُ الْأَخْطَارِ فِي الْأَسْفَارِ لِتَوَقُّعِ حُصُولِ الرِّبْحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ،
وَحَسُنَ تَحَمُّلُ الْمَشَاقِّ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ لِلْفَوْزِ بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى، وهاهنا كَذَلِكَ وَذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ الْجِهَادِ وَإِنْ كَانَ يُفِيدُ فِي الْحَالِ صَوْنَ النَّفْسِ عَنْ خَطَرِ الْقَتْلِ، وَصَوْنَ الْمَالِ عَنِ الْإِنْفَاقِ، وَلَكِنْ فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْمَضَارِّ مِنْهَا: أَنَّ الْعَدُوَّ إِذَا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصة بِلَادَكُمْ وَحَاوَلَ قَتْلَكُمْ فَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَكُمْ وَيَسْتَبِيحَ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ تَحْتَاجُوا إِلَى قِتَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِعْدَادِ آلَةٍ وَسِلَاحٍ،
وَهَذَا يَكُونُ كَتَرْكِ مُدَاوَاةِ الْمَرَضِ فِي أَوَّلِ ظُهُورِهِ بِسَبَبِ نُفْرَةِ النَّفْسِ عَنْ تَحَمُّلِ مَرَارَةِ الدَّوَاءِ، ثُمَّ فِي آخِرِ الْأَمْرِ يَصِيرُ الْمَرْءُ مُضْطَرًّا إِلَى تَحَمُّلِ أَضْعَافِ تِلْكَ النُّفْرَةِ وَالْمَشَقَّةِ.
القتال والجهاد

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقِتَالَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْأَمْنِ، وَذَلِكَ خَيْرٌ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِسَلَامَةِ الْوَقْتِ، وَمِنْهَا وِجْدَانُ الْغَنِيمَةِ، وَمِنْهَا السُّرُورُ الْعَظِيمُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْأَعْدَاءِ.

أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ فَكَثِيرَةٌ، مِنْهَا مَا يَحْصُلُ لِلْمُجَاهِدِ مِنَ الثَّوَابِ الْعَظِيمِ إِذَا فَعَلَ الْجِهَادَ تَقَرُّبًا وَعِبَادَةً وَسَلَكَ طَرِيقَةَ الِاسْتِقَامَةِ فَلَمْ يُفْسِدْ مَا فَعَلَهُ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَخْشَى عَدُوُّكُمْ أَنْ يَسْتَغْنِمَكُمْ فَلَا تَصْبِرُونَ عَلَى الْمِحْنَةِ فَتَرْتَدُّونَ عَنِ الدِّينِ، وَمِنْهَا أَنَّ عَدُوَّكُمْ إِذَا رَأَى جَدَّكُمْ فِي دِينِكُمْ وَبَذْلَكُمْ أَنْفُسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ فِي طَلَبِهِ مَالَ بِسَبَبِ ذَلِكَ إِلَى دِينِكُمْ فَإِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدِكُمْ صِرْتُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُسْتَحِقِّينَ لِلْأَجْرِ الْعَظِيمِ عِنْدَ اللَّهِ، وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى الْقِتَالِ طَلَبًا لِمَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ قَدْ تَحَمَّلَ أَلَمَ الْقَتْلِ بِسَبَبِ طَلَبِ رِضْوَانِ اللَّهِ، وَمَا لَمْ يَصِرِ الرَّجُلُ مُتَيَقِّنًا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ وَأَنَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَبِأَنَّ لَذَّاتِ الدُّنْيَا أُمُورٌ بَاطِلَةٌ لَا يَرْضَى بِالْقَتْلِ وَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ فَارَقَ الْإِنْسَانُ الدُّنْيَا عَلَى حُبِّ اللَّهِ وَبُغْضِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ سَعَادَاتِ الْإِنْسَانِ.
قلت. وقال تعالى (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) إما الشهادة وإما النصر .

الله يعلم ونحن لا نعلم :

الغلام الذي قتله الخضر


 كان موته بالنسبة لوالديه كرها لهما وشرا لهما ،
لكن الله علم ان في حياة الغلام شرا لهما وقال "فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا" وأن الخير في موت الغلام ، وأن الله سيبدل أبويه خيرا منه قال (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا)
وقال هنا ( وَاللَّهُ يعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّرْغِيبُ الْعَظِيمُ فِي الْجِهَادِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا اعْتَقَدَ قُصُورَ عِلْمِ نَفْسِهِ، وَكَمَالَ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَأْمُرُ الْعَبْدَ إِلَّا بِمَا فِيهِ خَيْرَتُهُ وَمَصْلَحَتُهُ، عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ امْتِثَالُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مَكْرُوهًا لِلطَّبْعِ أَوْ لَمْ يَكُنْ،
فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: يَا أَيُّهَا الْعَبْدُ اعْلَمْ أَنَّ عِلْمِي أَكْمَلُ مِنْ عِلْمِكَ فَكُنْ مُشْتَغِلًا بِطَاعَتِي وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى مُقْتَضَى طَبْعِكَ، فَهَذِهِ الْآيَةُ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَجْرِي مَجْرَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي جَوَابِ الملائكة، إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.

رُبَّ أَمْرٍ تَتَّقِيهِ ... جَرَّ أَمْرًا تَرْتَضِيهِ

وقال القرطبي:قَالَ الْحَسَنُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ: لَا تَكْرَهُوا الْمُلِمَّاتِ الْوَاقِعَةَ، فَلَرُبَّ أَمْرٍ تَكْرَهُهُ فِيهِ نَجَاتُكَ، وَلَرُبَّ أَمْرٍ تُحِبُّهُ فِيهِ عَطَبُكَ، وَأَنْشَدَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ:
رُبَّ أَمْرٍ تَتَّقِيهِ ... جَرَّ أَمْرًا تَرْتَضِيهِ
خَفِيَ الْمَحْبُوبُ منه ... وبدا المكروه فيه

لولا الجُبّ ما كان التاج :

و إخوة يوسف لما ألقوه في غيابات الجبّ ، وصار مملوكا لرجل من مصر ، كان سببا في ان يكون عزيز مصر وليس هذا فحسب بل صار داعيا لله وهاديا لأهل مصر ،
فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرا لكم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الاسم

الأحاديث الصحيحة,4,الأحاديث الضعيفة,5,الرقاق والآداب,25,تاريخ وسير,19,شرح الحديث,19,شريعة,14,علوم القرآن,16,فتاوى وأحكام,25,قراءة الكتب,31,مقالات اجتماعية,7,مقالات ثقافية,20,مقالات رأي,11,مقالات شرعية,13,
rtl
item
فكر الاسلام : وعَسَى أَنْ تَكْرَهوا شَيْئًا وهُو خَيْرٌ لَكُم
وعَسَى أَنْ تَكْرَهوا شَيْئًا وهُو خَيْرٌ لَكُم
الرضا بما كتبه الله
https://1.bp.blogspot.com/-DroxUlfKvCw/XaQpd15hLMI/AAAAAAAAFyQ/LEz5UAxTzToR7hqHagOERXiTE-8-rpSHQCLcBGAsYHQ/s320/%25D9%2588%25D8%25B9%25D8%25B3%25D9%2589%2B%25D8%25A7%25D9%2586%2B%25D8%25AA%25D9%2583%25D8%25B1%25D9%2587%25D9%2588%25D8%25A7.jpg
https://1.bp.blogspot.com/-DroxUlfKvCw/XaQpd15hLMI/AAAAAAAAFyQ/LEz5UAxTzToR7hqHagOERXiTE-8-rpSHQCLcBGAsYHQ/s72-c/%25D9%2588%25D8%25B9%25D8%25B3%25D9%2589%2B%25D8%25A7%25D9%2586%2B%25D8%25AA%25D9%2583%25D8%25B1%25D9%2587%25D9%2588%25D8%25A7.jpg
فكر الاسلام
https://www.resalafek.com/2019/10/blog-post_14.html
https://www.resalafek.com/
https://www.resalafek.com/
https://www.resalafek.com/2019/10/blog-post_14.html
true
189897370697295415
UTF-8
Loaded All Posts Not found any posts عرض الكل اقرأ المزيد Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS عرض الكل مفضل لك LABEL ARCHIVE SEARCH ALL POSTS Not found any post match with your request Back Home الأحد الاثنين الثلاثاء الأريعاء الخميس الجمعة السبت Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat يناير فبراير مارس ابريل مايو يونيو يوليو اغسطس سبتمبر اكتوبر نوفمبر ديسمبر يناير فباير مارس ابريل مايو يونيو يوليو اغسطس سبتمبر اكتوبر نوفمبر ديسمبر just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy