الرسالة الفكرية  الرسالة الفكرية

الهِجْرة الى الْحَبشَة (السِّيرة النَّبَوِية)

الهجرة للحبشة

لماذا كانت الهجرة الى الحبشة ؟

أحداث الدعوة والهجرة

وأنذر عشيرتك الأقربين 

روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس قال: لما أنزل الله: (وأنذر عشيرتك الأقربين) أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى "يا صباحاه" فاجتمع الناس إليه بين رجل يجئ إليه وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَا بَنِي فِهْرٍ ، يَا بَنِي كعب أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبِِِْْح جبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟
"قالوا نعم!
قَالَ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"
فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ - تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَمَا دَعَوْتَنَا إِلَّا لهذا؟ وأنزل الله عزوجل: (تبت يدا أبي لهب وتب) [المسد: 1] 

ذكر ما لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه 

(سفهاء قريش ورميه صلى الله عليه وسلم بالسحر والجنون ):

قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا اشتد أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم ، فأغروا برسول الله صلى الله عليه وسلم: سفهاءهم، فكذبوه وآذوه، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مُظْهِرٌ لِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَسْتَخْفِي بِهِ ، مُبَادٍ لَهُمْ بِمَا يَكْرَهُونَ مِنْ عَيْبِ دِينِهِمْ ، وَاعْتِزَالِ أَوْثَا نِهِمْ ، وَفِرَاقِهِ إيَّاهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ.
(حَدِيثُ ابْنِ الْعَاصِ عَنْ أَكْثَرِ مَا رَأَى قُرَيْشًا نَالَتْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيىه وَسَلَّمَ):
قال ابن إسحاق: فحدثني يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يظهرون من عداوته؟
قال: حضرتهم، وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ ، أَوْ كَمَا قَالُوا: فَبَيْنَا هُمْ فِي ذَلِكَ إذْ طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَقْبَلَ يَمْشََ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ ، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ الْقَوْلِ.
قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف، ثم قال: أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح. قال: فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فو الله ما كنت جهولا. قَالَ:
ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ ، وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ ، حَتَّى إذَا بَادَاكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ. فبينما هم في ذلك طلع (عليهم) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به، يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم: أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمِجْمَعِ رِدَائِهِ. قَالَ: فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَهُ ، وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَأَشَدُّ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا نَالُوا مِنْهُ قَطُّ.

(صَبر الرَّسُول على إِيذَاء الْمُشْركين):

أبا لهب، والحكم بن العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن حمراء الثقفي، وابن الأصداء الهذلي، وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص، فكان أحدهم- فيما ذكر لي- يطرح عليه صلى الله عليه وسلم رحم الشاة وَهُوَ يُصَلِّي ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَطْرَحُهَا فِي بُرْمَتِهِ إذَا نُصِبَتْ لَهُ ، حَتَّى اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِسَ إذا صلى، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طرحوا عليه ذلك الأذى، كما حدثني عمر ابن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن عروة بن الزبير، يخرج به رسول الله صلى الله عليه وسلم على العود، فيقف به على بَابِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، أَيُّ جِوَارٍ هَذَا! ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الطَّرِيقِ.

(قسوة قريش على من أسلم): 

قال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم، واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه ، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر ، مَنْ اُسْتُضْعِفُوا مِنْهُمْ ، يَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُفْتَنُ مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ الَّذِي يُصِيبُهُ ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَصْلُ لهم، ويعصمه الله منهم.
(بعض ما نال أبا بكر في سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم ):
قال ابن إسحاق، وحدثني بعض آل أم كلثوم بنت أبي بكر، أنها قالت:
(لَقَدْ) رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ وَقَدْ صَدَعُوا فَرْقَ رَأْسِهِ ، مِمَّا جَبَذُوهُ بِلِحْيَتِهِ وَكَانَ رَجُلًا. كَثِيرَ الشَّعْرِ.

(عبد الله بن مسعود وما ناله من قريش في سبيل جهره بالقرآن ): 

قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه، قال: كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه،
قال: اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط ، فمن رجل ي معهموه؟
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أَنَا ، قَالُوا: إنَّا نَخْشَاهُمْ عَلَيْكَ ، إنَّمَا نُرِيدُ رَجُلًا لَهُ عَشِيرَةٌ يَمْنَعُونه من القوم إن أرادوه
قال : دعوني فان الله سيمنعني، فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، رافعا بها صوته الرحمن علم القرآن، قال: ثم استقبلها يقرؤها. قَالَ: فَتَأَمَّلُوهُ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: مَاذَا قَالَ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ؟
قَالَ: ثُمَّ قَالُوا: إنَّهُ لَيَتْلُو بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ، فَقَامُوا إلَيْهِ ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ فِي وَجْهِهِ ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا، قالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون.

ذِكْرُ الْهِجْرَةِ الْأُولَى إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ 

(إشَارَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ):

قال ابن إسحاق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء ، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء ، قال لهم: لو خرجتم إلى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ وهي أَرْضُ صِدْقٍ ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ بدينكم فكانت أول هجرة في الاسلام .

قال ابن الأثير: وَكَانَ مَسِيرُهُمْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ النُّبُوَّةِ ، وَهِيَ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ إِظْهَارِ الدَّعْوَةِ ، فَأَقَامَوا شعبان وشهر رمضان،
وقدموا في شوال سنة خمس من النبوة، وكان سبب قدومهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بلغهم الْخَبَرُ  أَنَّ قُرَيْشًا أَسْلَمَتْ ، فَعَادَ مِنْهُمْ قَوْمٌ وَتَخَلَّفَ قَوْمٌ.

(من هاجروا الهجرة الأولى إلى الحبشة): 

وكان أول من خرج من المسلمين من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف : عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ومن بني عبد شمس بن عَبْدِ مَنَافٍ: أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ مَعَهُ امْرَأَتُهُ: سَهْلَةُ بِنْتُ سُهِْْحِ بُنَ ض الحبشة محمد بن أبي حذيفة.
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ.
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ.
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْن عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ (بْنِ) الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ.
ومن بني مخزوم ابن يقظة بن مرة: أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم .
وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ
ومن بني عدي بن كعب: عامر بن ربيعة، حليف آل الخطاب، من عنز بن وائل- (قال ابن هشام: ويقال: من عنزة ابن أسد بن ربيعة) معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة (بن حذافة) بن غانم (ابن عامر) بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ.
ومن بني عامر بن لؤي: أبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى بن أبي قيس ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ، ويقال: بل أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر (بْنِ لُؤَيٍّ) ، وَيُقَالُ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَهَا. وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ ، وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بِنِ بِنِبِحِ

فَكَانَ هَؤُلَاءِ الْعَشْرَةِ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فِيمَا بَلَغَنِي.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قال ابن إسحاق: ثم خرج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، معه امرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم ، ولدت له بأرض الحبشة عبد الله بن جعفر
وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة، فكانوا بها، منهم من خَرَجَ بِأَهْلِهِ مَعَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ لَا أَهْلَ لَهُ مَعَهُ.

صحيح البخاري وشروع أبو بكر في الخروج للحبشة:

أن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: لم أعقل أبوي قط، إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار، بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الحَبَشَةِ ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ وهو سيد القارة ، قال : أين تريد يا أَبَا بَكْرٍ؟
 فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي ، فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي ،
 قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم، وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش،
 فقال لهم: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلاَ يُخْرَجُ ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ المَعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ ، وَيَحْمِلُ الكَل ِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ ، فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشٌ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ ، وَقَالُوا: لِابْنِ الدَّغِنَةِ: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر،
 فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غَيْرِ دَارِهِ ، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ ، وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ ، وَيَقْرَأُ القُرْآنَف فشْتَ كين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم،
فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ ، فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ ، فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكْنِكِرِكِ ، ،
قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له،
فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: «إني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين» وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هَاجَرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ إِلَى المَدِينَةِ ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ المَدِينَةِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَ: «عَلَى رِسْلِكَ ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَصْحَبَهُ ، وَعَلَفَ رَاحََََََََََََََََََََََِِِِ

(حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ رَسُولَيْ قُرَيْشٍ مَعَ النَّجَاشِيِّ):

لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا الْأُدْمُ ، فَجَمَعُوا لَهُ أُدْمًا كَثِيرًا ، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْر ِيقًا إلَّا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً ،
 ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَأَمَرُوهُمَا بِأَمْرَهم وقالوا لهما : ادْفَعَا إلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ ، ثُمَّ قَدِّمَا إلَى النَّجَاشِيِّ ، هَدَايَاهُ ، ثُمَّ سَلَاهُ أَنْ يُسَلِّمَُهمْ اليكما قبل أن يكلمهم،
 قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يُكَلِّمَهُمْ ، فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا ، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ ، فَقَالُوا لَهُمَا: نَعَمْ.
ثُمَّ إنَّهُمَا قَدَّمَا هَدَايَاهُمَا إلَى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا ، ثُمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالَا لَهُ: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وَعَاتَبُوهُمْ فِيهِ.
قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرِو ابْن الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُمْ النَّجَاشِيُّ.
 قالت: فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم.
قَالَتْ: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ ، ثُمَّ قَالَ:لاها الله ،إذن لا أسلمهم اليهما، ولايكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فسألهم عما يقول هذان في أمرهم ، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم اليهما ، ورددتهم الى قومهم ، وإن كانوا على غير ذلك
منعتهم منهما وأحسنت جوارهم  ما جاوروني .

صحيح البخاري: 

عن عبد الله رضي الله عنه، قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة ، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: «إن في الصلاة شغلا" 

قال ابن كثير :

 وعن مسند الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: 
بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النجاشي ، ونحن نحواً مِنْ ثَمَانِينَ  رجلا  فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْفُطَةَ ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ، وَأَبُو مُوسَى فَأَتَوُا النَّجَاشِيَّ.
وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية ، فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ثم قالا له : إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا . 
قَالَ فَأَيْنَ هُمْ؟ 
قَالَا: فِي أَرْضِكَ ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ ،
 فَقَالَ جَعْفَرٌ: أَنَا خَطِيبُكُمُ الْيَوْمَ فاتبعوه ، فسلم ولم يسجد
قالوا : مالك لا تسجد للملك .
 قَالَ إِنَّا لَا نَسْجُدُ إلا لله عزوجل .
قَالَ وَمَا ذَاكَ؟
 قَالَ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولًا ثُمَّ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَسْجُدَ لأحد إلا لله عزوجل ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. 
قَالَ عَمْرٌو: فَإِنَّهُمْ يُخَالِفُونَكَ في عيسى بن مريم ، 
قال فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه؟
قال نقول كما قال الله: هو كلمته وَرُوحُهُ أَلْقَاهَا إِلَى الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ ، الَّتِي لَمْ يَمَسَّهَا بَشَرٌ ، وَلَمْ يَفْرِضْهَا وَلَدٌ. 
قال فرفع عودا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا ، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وَأَنَّهُ الَّذِي نَجِدُ فِي الْإِنْجِيلِ. 
وَأَنَّهُ الرَّسُولُ الذي بشَّر به عيسى بن مَرْيَمَ ، انْزِلُوا حَيْثُ شِئْتُمْ ، وَاللَّهِ لَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَكَ 
وَأَمَرَ بِهَدِيَّةِ الْآخَرَيْنِ فَرُدَّتْ إِلَيْهِمَا ، ثُمَّ تعجَّل عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أَدْرَكَ بَدْرًا.
وَزَعَمَ أَنَّ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَغْفَرَ لَهُ حِينَ بَلَغَهُ مَوْتُهُ. 
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ وَسِيَاقٌ حَسَنٌ. 

خَبَرُ الصَّحِيفَةِ وتَحَالُفُ الْكُفَّارِ ضِدَّ الرَّسُولِ:

قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ ، وَجَعَلَ الْإِسْلَامُ يَفْشُو فِي الْقَبَائِلِ ، اجْتَمَعُوا وَائْتَمَرُوا (بَيْنَهُمْ) أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابًا يَتَعَاقَدُونََِ وبني المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم،
كاتب الصحيفة منصور وكان بن عكرمة بن عامر بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي- 
قال ابن هشام: ويقال: النضر بن الحارث- فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشل بعض أصابعه. 
قال ابن إسحاق: فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب ، فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب، عبد العزى بن عبد المطلب، إلى قريش، فظاهرهم. 
حَدِيثُ نَقْضِ الصَّحِيفَةِ 
(بَلَاءُ هِشَامِ بْنِ عَمْرٍو فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ):
قال ابن إسحاق: وبنو هاشم وبنو المطلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها، ثم إنه قام في نقض تلك الصحيفة التي تكاتبت فيها قريش على بني هاشم وبني المطلب نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ (جَذِيمَةَ) ابْن مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنَ لُؤَ لَََََ َخِي نَضْلَةَ بْنِ هَاشِمِ ابْن عَبْدِ مَنَافٍ لِأُمِّهِ ، فَكَانَ هِشَامٌ لِبَنِي هَاشِمٍ وَاصَلًا ، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ ،
فكان- فيما بلغني- يأتي بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا، قد أوقره طعاما، حتى إذا أقبل به فم الشعب خلع خطامه من رأسه ، ثم ضرب على جنبه، فيدخل الشعب عليهم ثم يأتي به قد أوقره بزا ، فيفعل به مثل ذلك . 
(سعي هشام في ضم زهير بن أبي أمية له و ضم المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، وأبو البختري بن هشام و زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فاتعدوا خطم الحجون ليلا بأعلى مكة ، فاجتمعوا هنالك. فأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حَتَّى يَنْقُضُوهَا 
.
وقال ابن هشام: وذكر بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب : يا عم، إن ربي الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش ، فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها ، ونفت منه الظلم والقطيعة والبهتان، 
فقال : أَرَبُّكَ أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نعم
، قال: فو الله ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إلى قريش، فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم، فإن كان كما قال ابن أخي، فانتهوا عن قطيعتنا، وانزلوا عما فيها، وإن يكن كاذبا دفعت إلَيْكُمْ ابْنَ أَخِي ، فَقَالَ الْقَوْمُ: رَضِينَا ، فَتَعَاقَدُوا عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ نَظَرُوا ، فَإِذَا هِيَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهَ صَلَّى اللهَ فَعِنْدَ ذَلِكَ صَنَعَ الرَّهْطُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ مَا صَنَعُوا 

كَيْفَ أَجَارَ الْمُطْعِمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

قال ابن هشام: وأما قوله: «أجرت رسول الله منهم»، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن أهل الطائف، ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، من تصديقه ونصرته، صار إلى حراء، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فَقَالَ: أَنَا حَلِيفٌ ، وَالْحَلِيفُ لَا يُجِيرُ. فَبَعَثَ إلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، فَقَالَ: إنَّ بَنِي عَامِرٍ لَا تُجِيرُ عَلَى بَنِي كَعْبٍ. فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه إلى ذلك، ثم تسلح المطعم وأهل بيته، وخرجوا حتى أتوا المسجد، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله.

 (طَمَعُ الْمُشْرِكِينَ فِي الرَّسُولِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ وَخَدِيجَةَ):

قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام، يشكو إليها، وبهلك عمه أبي طالب، وكان له عضدا وحرزا في أمره، وَمَنَعَةً وَنَاصِرًا عَلَى قَوْمِهِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ مُهَاجَرِهِ إلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ. فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابا قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزُّبَيْرِ ، قَالَ:
لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكَ. قَالَ: وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ ، حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ. 

سعي الرسول آلى ثقيف يطلب النصرة 

قال ابن إسحاق: ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، يلتمس النصرة من ثقيف ، وَالْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ ، وَرَجَاءَ أَنْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ وَحْدَهُ. 

(عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِهِمْ):

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، وَقَوْمُهُ أَشَدُّ مَا كَانُوا عليه من خلافه وفراق دينه، إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به .
 فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم ، إذا كانت، على قبائل العرب يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين (لهم) الله ما بعثه به. 

عودة مهاجري الحبشة 

أم سلمة بنت أبي أميّة

بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم القرشيّة المخزوميّة أم المؤمنين ، اسمها هند. وقال أبو عمر: يقال اسمها رملة ، وليس بشيء ، واسم أبيها حذيفة ، وقيل سهيل ، ويلقب زاد الراكب ، لأنه كان أحد الأجواد ، فكان إذا سافر لا أحدا يرافقه ومعه زاد ، بل يكفي رفقته من الزّاد ، وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك الكنانيّة ، من بني فراس ، وكان زوج ابن عمها أبي سلمة بن عبد الأسد بن المغيرة ، فمات عنها كما تقدّم في ترجمته ، فتزوجها النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في جمادى الآخرة سنة أربع ، وقيل سنة ثلاث ، وهي كذلك أسلم قديما هي وزوجها وهاجرا إلى الحبشة ، فولدت له سلمة ، ثم قدما مكّة وهاجرا إلى المدينة ، فولدت له عمر ، ودرة ، وزينب ، قاله ابن إسحاق.
وفي رواية يونس بن بكير وغيره عنه: حدّثني أبي ، عن سلمة بن عبد اللَّه بن عمر بن أبي سلمة ، قال: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل بعيرا له وحملني وحمل معي ابني سلمة ، ثم خرج يقول بعيره ، فلما رآه رجال بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ ونزعوا خطام البعير من يده ، وأخذوني ، فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد وأهووا إلى سلمة ، وقالوا: واللَّه لا نترك ابننا عندها إذا نزعهاوها من صاحبنا ، فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده ، وانطلق به بنو عبد الأسد ورهط أبي سلمة.
وحبسني بنو المغيرة عندهم ، وانطلق زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة ففرّق بيني وبين زوجي وابني ، فكنت أخرج كلّ غداة وأجلس بالأبطح ، فما أزال أبكي حتى أمسى سبعا أو قريبها حتى مرّ بي رجل من بني عمي ، فرأى ما في وجهي ، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون من هذه المسكينة؟ فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ابنها! فقالوا: حقي بزوجك إن شئت. وردّ عليّ بنو عبد الأسد عند ذلك ابني ، فرحلت بعيري ووضعت ابني في حجري ، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة ، وما معي أحد من خلق اللَّه ، فكنت أبلّغ من لقيت ، حتى إذا كنت بالتّنعيم لقيت عثمان بن طلحة أخا بني عبد الدّار ، فقال: أين يا بنت أبي أميّة؟ قلت:
أريد زوجي بالمدينة. فقال: هل معك أحد؟ فقلت: لا ، واللَّه إلا اللَّه وابني هذا. فقال: واللَّه ما لك من مترك! فأخذ بخطام البعير ، فانطلق معي يقودني ، فو اللَّه ما صحبت رجلا من العرب أراه كان أكرم منه إذا نزل المنزل وأنا ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها ، والنا واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى نزلت ، فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بين المدينة ، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: إن زوجك في هذه القرية ، وكان أبو سلمة نازلا بها. 
وقيل: إنها أوّل امرأة خرجت مهاجرة إلى الحبشة ، وأول ظعينة دخلت المدينة. 

عودة مهاجري الحبشة الى المدينة بعد فتح خيبر عام سبعة هجرية 

(فَرَحُ الرَّسُولِ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ):
قال ابن هشام: وذكر سفيان بن عيينة عن الأجلح، عن الشعبي: أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر ، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه ، والتزمه وقال: 
ما أدري بِأَيِّهِمَا أَنَا أُسَرُّ: بِفَتْحِ خَيْبَرَ ، أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ؟ 

(مُهَاجِرَةُ الْحَبَشَةِ الَّذِينَ قَدِمَ بِهِمْ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ):

قال ابن إسحاق: وكان من أقام بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري ، فحملهم في سفينتين، فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية. 

هجرة أهل السفينة

عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم، إما قال: بضع، وإما قال: في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي ، فَرَكِبْنَا سَفِينَةً ، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشَِّ بِالحَبَشَةِ ، فَوَافَقَََََََََََِ نَا جَمِيعًا ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ ، وَكَانَ أُنَاسٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا ، يَعْنِي لِأ: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قَالَتْ: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ،
قَالَ عُمَرُ: الحَبَشِيَّةُ هَذِهِ البَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟ 
قالت أسماء: نعم، 
قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم ، 
فغضبت وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار - أو في أرض - البعداء البغضاء بِالحَبَشَةِ ، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَايْمُ اللَّهِ لاَ أَطْعَمُ طَعَامًا وَلاَ أَشْرَبُ شُرَرَت ه صلى الله عليه وسلم، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ، ولا أزيد عليه،
فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ عُمَرَ قَالَ: كَذَا وَكَذَا؟ 
قَالَ: «فَمَا قُلْتِ لَهُ؟» 
قالت: قلت له: كذا وكذا، 
قال: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم - أهل السفينة - هجرتان»، 
قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا، يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلاَ أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ أَبُو بُرْدََََََََََََََََ هَذَا الحَدِيثَ مِنِّي. 

(عِدَّةُ مَنْ حَمَلَهُمْ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ):

جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ ، وَابْنَهَََََِِِِِِِِِِِ 
وخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَمِينَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسْعَدَ. 
وَأَخُوهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُحَرَّثٍ الْكََِِِِْْ 
والْأَسْوَدُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ. 
وجهم بن قيس بن عبد شرحبيل، معه ابناه عمرو بن جهم وخزيمة بن جهم، وكانت معه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود هلكت بأرض الحبشة .
وعَامِرُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ هُذَيْلٍ. 
والْحَارِثُ بْنُ خَالِدِ بْنِ صَخْرٍ ، وَقَدْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ رَيْطَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ جُبَيْلَةَِ هَلَكَتْ بِأِ 
و عُثْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أُهْبَانَ. 
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ ، مَحْمِيَّةُ بْنُ الْجَزْءِ 
ومَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ. 
و أَبُو حَاطِبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، وَمَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ عَمْرَ 
و الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطٍ.
فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَمَلَ النَّجَاشِيُّ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ فِي السَّفِينَتَيْنِ ، فَجَمِيعُ مَنْ قَدِمَ فِي السَّفِينَتَيْنِ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  ستة عشر رجلاً.

(سائر مهاجرة الحبشة): 

وكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة، ولم يقدم إلا بعد بدر، ولم يحمل النجاشي في السفينتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن قدم بعد ذلك، ومن هلك بأرض الحبشة، من مهاجرة الحبشة:
عبيد الله بن جحش بن رئاب الأسدي، أسد خزيمة، حليف بني أمية بن عبد شمس، معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وابنته حبيبة بنت عبيد الله، وبها كانت تكنى أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكان اسمها رملة. 

تَنَصُّرُ ابْنِ جَحْشٍ بِالْحَبَشَةِ وَخَلَفُ الرَّسُولِ عَلَى امْرَأَتِهِ أم حبيبة. 

عن ابن سعد: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم كأن عبيد الله بن جحش بأسوأ صورة وأشوهه ، ففزعت، فإذا هو يقول حين أصبح: يا أم حبيبة! إِنِّي نَظَرْتُ فِي الدِّيْنِ ، فَلَمْ أَرَ دِيْناً خَيْراً مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ ، وَكُنْتُ قَدْ دِنْتُ بِهَا ، ثُمَّ دَخَلتُ فِي دِيْنِ مُحَمَّدٍ ، فَقَد
فَأَخْبَرَتْهُ بِالرُّؤْيَا ، فَلَمْ يَحْفَلْ بِهَا ، وَأَكَبَّ عَلَى الخَمْرِ حَتَّى مَاتَ. 
فَأَرَى فِي النَّوْمِ كَأَنَّ آتِياً يَقُوْلُ لِي: يَا أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ! فَفَزِعْتُ ، فَأَوَّلْتُهَا أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَزَوَّجُنِي. 
فما هو إلا أن انقضت عدتي، فما شعرت إلا ورسول النجاشي على بابي يستأذن، فإذا جارية له يقال لها: البرهة، كانت تقوم على ثيابه ودهنه، فدخلت علي، فقالت: 
إن الملك يقول لك: إن رسول الله كتب إلي أن أزوجك. 
فَقُلْتُ: بَشَّرَكِ اللهُ بِخَيْرٍ. 
قَالَتْ: يَقُوْلُ المَلِكُ: وَكِّلِي مَنْ يُزَوِّجُكِ.
فَأَرْسَلَتْ إِلَى خَالِدِ بنِ سَعِيْدٍ ، فَوَكَّلَتْهُ ، وَأَعْطَتْ الْبُرْهَة سِوَارَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ ، وَخَوَاتِيْمَ كانت في أصابع رجليها ، وخدمتين كانتا في رجليها . 
فَلَمَّا كَانَ العشي ، أَمَرَ النَّجَاشِيُّ جَعْفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ هُنَاكَ مِنَ المُسْلِمِيْنَ ، فَحَضَرُوا. 
فخطب النجاشي، فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى -صلى الله عليه وسلم- . 
ثُمَّ خَطَبَ خَالِدُ بنُ سَعِيْدٍ ، وَزَوَّجَهَا ، وَقَبَضَ أَرْبَعَ مَائَةِ دِيْنَارٍ ، ثُمَّ دَعَا بِطَعَامٍ ، فَأَكَلُوا.
قالت: فلما وصل إلي المال، عزلت خمسين دينارا البرهة، فأبت، وأخرجت حقا فيه كل ما أعطيتها، فردته، وقالت: 
عزم علي الملك أن لا أرزأك شيئا، وقد أسلمت لله، وحاجتي إليك أن تقرئي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مني السَّلاَمَ. 
ثُمَّ جَاءتْنِي مِنْ عِنْدِ نِسَاءِ المَلِكِ بِعُوْدٍ ، وَعَنْبَرٍ ، وزبادي كَثِيْرٍ. 
فَقِيْلَ: بَنَى بِهَا رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَنَةَ سِتٍّ. 
وَقَالَ خَلِيْفَةُ: دَخَلَ بِهَا سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ. 
وَأَصْحَمَةُ بِالعَرَبِيِّ: عَطِيَّة.

موت النجاشي: 

وَلَمَّا تُوُفِّيَ ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلنَّاسِ: إِنَّ أَخاً لَكُم قَدْ مَاتَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ ، فخرج بهم الى الصحراء وصفهم صفوفا وصلى عليه . 
فنقل بعض العلماء: أن ذلك كان في شهر رجب، سنة تسع من الهجرة 
عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ » 
وعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:« أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَجَاشي فكر أربعا " 

قل رأيك واكتب تعليقك وهو يهمنا



جميع الحقوق محفوظة

الرسالة الفكرية

2019


تطوير

ahmed shapaan