الرسالة الفكرية - مدونة أبو تامر الرسالة الفكرية - مدونة أبو تامر
recent

أحدث المقالات

recent
جاري التحميل ...

قصة التتار





قصة امبراطورية المغول

التتار والمسلمين :

أصول التتار 

التَّتار أو التَّتر كلمة أطلقها العرب على مجموعة القبائل المغولية التي اجتاحت الشرق العربي وبلاداً إسلامية أخرى في القرن الثالث عشر الميلادي.
يُعرف التّتار عند الأوربيين بالتَّتار أو التَّارتار Tatar، أما الصينيون فيدعونهم بالتَّاتا ويحذفون حرف الراء، ويسميهم ابن خلدون التَّغزعز
اختلف العلماء كذلك على أصول التَّتار، وهل هم جزء من العنصر المغولي (المنغولي)، أو أنهم قبائل أخرى مستقلة متميزة
و ظهور التَّتار كقبائل متميزة يرجع إلى نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الميلادي، وقد عاشوا ضمن القبائل المغولية، في شرقي منغوليا وغربي منشوريا، وكونوا مع القبائل التركية الأخرى ما يعرف بالقبيلة الذهبية.
ويقال أن التَّتار يتكونون من أربع طوائف كبيرة تضم قرابة ست عشرة قبيلة ومن أبرزها:
أتراك تركستان وتركمان شرق بحر قزوين و‌آسيا الوسطى و‌أرمينيا والأوزبك والبخاريون و أتراك قرمان الذين قدموا من تركستان.
والعثمانيون وأتراك الأناضول و‌قسطنطينة من تركستان.وتتار القرم، و‌البلغار والبشكير والقيرغيز وأهل سيبيريا وغيرهم.

الديانة

عرف المغول والتّتار الديانة البوذية، وكانت لهم دياناتهم الخاصة ، إذ عبدوا الريح والرعد، والخنزير والذئب ، وعبدوا الشمس، وعرفوا المجوسية ولكن القسم الأعظم من التّتار اعتنق الإسلام، وهم الآن يدينون بالإسلام المذهب السني وقد جرت محاولات حثيثة من الروس، بعد أن احتل إيفان الرابع" الرهيب" قيصر روسيا الأول قازان عاصمة التّتر (1552م) لتحويلهم إلى الديانة المسيحية .
يقول د.راغب السرجاني " وكان للتتار ديانةٌ عجيبة، هي خليط من أديان مختلفة، فقد جمع جنكيزخان بعض الشرائع من الإسلام، والبعض من المسيحية، والبعض من البوذية، وأضاف من عنده شرائع أخرى، وأخرج لهم في النهاية كتابًا جعله كالدستور للتتار، وسمَّى هذا الكتاب بـ (الياسة) أو (الياسك) أو (الياسق)

طريقتهم في القتال

وكانت حروب التتار تتميز بسرعة انتشار رهيبة، ونظام محكم، وأعداد هائلة من البشر، وتحمُّل الظروف القاسية، والقيادة العسكرية البارعة، كما كانت تتميز كذلك بأنهم بلا قلب .
-واسلوب بث الرعب في نفوس الأعداء عن طريق ابادة وتدمير المدينة التي ترفض التسليم تدميرا كاملا ، حتى أنه يقال ان جندي مغولي قابل رجلا ولم يكن معه سلاحا يقتله فأمره ان يضع رأسه على الأرض حتى يعود اليه فأطاعه الرجل حتى عاد اليه فقتله -
فكانت حروبهم حروب تخريب غير طبيعية، فكان من السهل جدًّا أن ترى في تاريخهم أنهم دخلوا مدينة كذا أو كذا فدمَّرُوا كل المدينة، وقتلوا سكانها جميعًا، لا يفرِّقون في ذلك بين رجل وامرأة، ولا بين رضيع وشاب، ولا بين صغير وشيخ، ولا بين ظالم ومظلوم، ولا بين مدني ومحارب .

 البداية ..عام 1206 ميلادي 

تمكن " تيموجين " ابن أحد الزعماء المغول من توحيد قبائل منغولية - تركية رحل، كانت بالسابق شديدة التنافس فيما بينها، وبمساعدة حليفه، الزعيم من القبيلة الكيراتيّة " وانغ خان "، وصديق طفولته المقرّب، "جاموقا" من عشيرة جادران، تمكن من التغلب على قبائل الميرغيديون الذين كانوا قد اختطفوا زوجته.
و حصل تيموجين على لقب "خان" " الإمبراطورية المغولية ، بمعنى "السيد" بعد صراع مع منافسيه وتدمير كل القبائل العاصية المتبقية، وخلع على نفسه لقب "جنكيز خان"، الذي يعني "الحاكم الكبير" أو "الحاكم العالمي" وقيل "قاهر العالم "، بدلا من الألقاب القبلية القديمة مثل "غور خان" أو "تايانغ خان" و يُعد هذا الحادث بداية عهد الإمبراطورية المغولية تحت حكم جنكيز خان.
العالم ما قبل جنكيزخان

 خمسون عاما كافية لتدمير نصف العالم ،
لم ينجو من التدمير من العالم آنذاك سوى مصر والمغرب العربي وأوربا الغربية 

 في عام 1207 م كان غزو الصين بدءا بدولة شيا الغربية التي شملت أراضي ضخمة من الشمال الغربي للصين وجزء من التبت وانتهت سنة 1210 عندما خضع ملك شيا الغربية لحكم جنكيز خان، وخلال تلك الفترة خضع الأويغور الترك طواعية للمغول مما سهل لهم الوصول إلى المناصب العليا بالإمبراطورية.
 وفي عام 1215، تم تدمير مملكة جين بتدميرها وإلحاقها بالإمبراطورية.
 وفي عام 1218، السلطان محمد شاه خوارزم يقتل مبعوث جنكيز خان مما أدى إلى اندفاع المغول غربا.
 وفي 1219-1221 ، وبينما الحملة على شمال الصين مستعرة،  شن المغول حربا لاهوادة لها في أواسط آسيا حيث دمروا الدولة الخوارزمية الاسلامية .
 وفي 1223 م ازدادت قوة المغول بعد نصرهم الحاسم بمعركة نهر كالكا على الروس السلاف وإبادتهم الجيش الروسي بالكامل بواسطة القائد سوبوتاي.

موت جنكيزخان

وفي عام 1227 م مات الخان العظيم جنكيز خان قائد المغول، وعودة جميع القواد إلى مجلس الحكم قوريلتاي بالعاصمة المنغولية، هنا تكون الإمبراطورية قد وصلت إلى مساحة 26 مليون كم مربع تقريبا بمعنى أكبر بأربع مرات الإمبراطورية الرومانية أو حتى إمبراطورية الإسكندر الأكبر بأوجهما
 تمتد من المحيط الهادئ حتى بحر قزوين، أي أنها كانت تبلغ في حجمها ضعفي حجم الإمبراطورية الرومانية ودول الخلافة الإسلامية.
جيوش جنكيزخان

الخان الثاني

بعد موت جنكيز خان استلم " أوقطاي خان "، الابن الثالث للخان الراحل، الحكم عام 1229 واعتبر الحاكم الثاني للإمبراطورية.
أرسل أوقطاي، بمجرد اعتلائه العرش، جنوده إلى السهوب التي تحكمها قبائل القبجاق، ليُخضع شعوب الباشقير والبلغار، وسرعان ما اتجه الجيش إلى تلك البلاد واخضعها بعد أن تحالف الباشقير معهم.
أما في الشرق، فكان الجيش المغولي قد أعاد نفوذ الإمبراطورية إلى جميع أنحاء منشوريا، فسحق سلالة شيا الشرقية، والتتار البحريون.
وقام الجنرال شورمقان، المُرسل من قبل أوقطاي، بالقضاء على جلال الدين منكبرتي، أخر شاه للدولة الخوارزمية.
وقام أوقطاي، بعد أن أنهى بناء عاصمته الجديدة، قراقورم، بتأسيس إدارات مغولية يرأسها مسلمون وقيتايون، في شمال الصين، تركستان، وبلاد ما وراء النهر، وكان ذلك ما بين عاميّ 1235 و1238، كما أنشأ عدد من مراكز إعادة التموين وشقّ الطرقات، وأنعم على الشعوب التي غزاها بالهدوء والاستقرار حيث قمع السرقة والقرصنة وكل ما من شأنه أن يخل بالأمن.
وفي 1237 م القائد المغولي " باتو خان"  مؤسس القبيلة الذهبية وحفيد جنكيز خان ، يعود بجيوشه غربا لإخضاع الروس السلاف. واجتاح دول البلغار، الآلانيون، القبشاك، الباشقير، المورديفيون، والشوفاشيون، بالإضافة لبلدان شعوب أخرى تقطن جنوب السهوب الروسية.
واجه هذا الجيش إمارة ريازان الروسية لأول مرة عام 1237، واستطاع، بعد حصار دام لثلاثة أيام وقصف عنيف، أن يدخل المدينة، حيث قاموا بذبح كل سكانها.
وفي عام 1238 استطاع المغول تدمير جيش إمارة فلاديمير الكبرى في معركة نهر السيت، واستولوا على "مغاس"، عاصمة الآلانيون.
وبحلول عام 1240 كانت جميع أراضي الروس السلاف، بما فيها كييف، قد سقطت بأيدي الغزاة الآسيويين ماعدا بضعة مدن شمالية، وقام المغول في فارس، تحت قيادة "شورمقان"، بوصل المناطق التي غزوها بمناطق باتو خان و"سوبوتاي"، وبهذا كانوا قد أجبروا النبلاء الجورجيون والأرمن على الاستسلام.

تسجيل فظائع التتار

وكان مندوب البابا إلى خان المغول قد كتب في مذكراته عندما مر على كييف خلال شهر فبراير من عام  1246:
"أنهم هاجموا روسيا وتركوا ورائهم خراب عظيم من تدمير للمدن والقلاع وذبح البشر، وقد دخلوا كييف عاصمة الروس بعد حصار طويل فأعملوا فيها السيف ولم يتركوا أحدا،
وعندما مررنا خلال تلك الديار وجدنا عددا لايحصى من الهياكل العظمية والعظام متناثرة بمساحة ضخمة من الأرض ،
" كييف"  كانت مدينة ذات كثافة سكانية والآن لانرى من البشر أحدا هنا، ومن لم يقتل بالسيف فقد أخذوه كسخرة وعبيد ".

اجتياح أوربا

بعد غزو روسيا، تقدم المغول في فتوحاتهم لقلب أوروبا، فسقطت في أيديهم كل من بولندة، المجر، وترانسلفانيا.
وعندما قام الجناح الغربي من الجيش المغولي بنهب المدن البولندية، تشكل حلف أوروبي يتألف من البولنديون، والمورافيون، و فرسان القديس يوحنا، و الفرسان التيوتويين، وفرسان الهيكل، ليوقف الزحف المغولي عند مدينة ليغنيتسا بألمانيا.
إلا أن المغول تمكنوا من الانتصار على أعدائهم، حيث هزموا المجريون وحلفائهم الكرواتيون وفرسان الهيكل بالقرب من قرية "موهي"، عام 1241
وبعد هذا الانتصار تقدم المغول لمواجهة جيوش بوهيميا، صربيا، بابنبورغ النمساوية، والإمبراطورية الرومانية المقدسة
. وعندما وصلت قوات "باتو " لبوابة فينا وشمال ألبانيا، وصلته أنباء وفاة أوقطاي خان في ديسمبر 1241،وكما جرت العادة، كان على جميع الأمراء الخانات أن يحضروا جلسة القوريلتاي لانتخاب خليفة للخان المتوفى.
انسحب الجيش المغولي الغربي من أوروبا الوسطى في السنة اللاحقة، فنجت أوروبا الغربية من هؤلاء الفاتحين .
وفي عام 1251 تم إعلان "مونكو" خانا عظيما للمغول

الصراع على السلطة

بعد موت أوقطاي خان ، أخذت التصدعات الخطيرة تطفو إلى السطح، واستمرت على هذا المنوال لمدة خمس سنوات، فقد تسلمت أرملة أوقطاي " توراكينا خاتون" الحكم،
واستطاعت توراكينا أن تحصل على دعم معظم الأرستقراطيين المغول لتأمين وصول "جويوك" ابن أوقطاي، إلى سدة الحكم، إلا أن باتو اعتذر عن المجيئ إلى القوريلتاي ليدلي بصوته، زاعما أنه مريض، فاستمر الفراغ الإمبراطوري لأكثر من 4 سنوات.
و يرى المؤرخون أن هذا الفراغ الرئاسي المفاجئ كان سبب الأحداث اللاحقة التي أدت في نهاية المطاف لانحلال الوحدة المغولية.
في هذا الوقت، كانت الجيوش المغولية بقيادة الجنرال "بايجو" قد هزمت قوات السلاجقة في الأناضول، وخربت عددا من المناطق التابعة لأسرة سونغ، بالإضافة لأراض في سوريا، كوريا، العراق، والهند..
وفي هذا الوقت كان باتو، حاكم القبيلة الذهبية، قد وافق على إرسال إخوته وقواده إلى القوريلتاي، فتمكنت توراكينا خاتون من جمع أعضاء هذا المجلس أخيرا في عام 1246،
وقد حضر انتخاب جويوك عدد من كبار الشخصيات الأجنبية والمغولية على حد سواء، فبالإضافة للنبلاء المغول وغير المغول، وصل عدد من الديبلوماسيين والقواد الخاضعين لسلطانه من جورجيا، كوريا، الصين، روسيا، تركستان، أذربيجان، تركيا، سوريا، إيران، روما، وبغداد

أقصى اتساع للامبراطورية

كانت إمبراطورية المغول تشمل في أقصى اتساعها: منغوليا، الصين، أجزاء من بورما، رومانيا، باكستان، معظم أو جميع أنحاء روسيا، سيبيريا، أوكرانيا، بيلاروسيا، قيليقية، الأناضول، كوريا، جورجيا، أرمينيا، بلاد فارس، العراق، وآسيا الوسطى.
وفي ذلك الحين أصبح الكثير من الدول تابعا للإمبراطورية بشكل اسمي أو واقعي، على الرغم من عدم احتلاله، أو دافع للجزية.


امبراطورية التتار .


المغول و الديانة الاسلامية

كان المغول يوظفون العديد من المسلمين في مجالات مختلفة من العمل، وكثيرًا ما كانوا يأخذون بنصيحتهم فيما يتعلق بالمسائل الإدارية، فأصبح المسلمون إحدى طبقات المسؤولين المفضلة عندهم، إذ أنهم كانوا مثقفين ويجيدون التركية والمنغولية.
 من المغول المعروفين الذين تحولوا إلى الطائفة السنية الإسلامية: "مبارك شاه "حاكم خانة قيتاي، "تودا منغو "حاكم القبيلة الذهبية، و"محمود غازان " حاكم الإلخانات.
و كان "بركة خان "، الذي حكم القبيلة الذهبية بين عاميّ 1257 و1266، أول قائد مغولي مسلم للخانات المغولية.
يُعتبر" محمود غازان" أول خان مسلم جعل من الإسلام الدين الرسمي للإلخانات، وتلاه السلطان "محمد أوزبك" حاكم القبيلة الذهبية، والذي كان يُشجع رعاياه على اعتناق الدين الجديد.
واستمر المغول في خانة قيتاي بنمط حياتهم المرتحل، معتنقين البوذية والأرواحية حتى عقد 1350،
وعندما اعتنق القسم الغربي من الخانة الدين الإسلامي، بقي القسم الشرقي من بلاد المغول دون أسلمة حتى عهد "توغلوق تيمور خان " 1330-1263 م ، الذي اعتنق الإسلام مع الآلاف من رعاياه.
كان هناك عدد كبير من المسلمين الأجانب في أراضي أسرة يوان، خلال عهد قوبلاي خان، على الرغم من أنها، لم تعتنق الإسلام، على العكس من الخانات الغربية.
كان المغول يُصنفون المسلمين على أنهم من طبقة "السيمو"، أي أنهم أدنى درجة من المغول ولكن أعلى مرتبة من الصينيين. يقول عالم الإنسان "جاك وذرفورد"، أنه كان هناك أكثر من مليون مسلم يقطنون أراضي أسرة يوان.

الهجوم على الديار الاسلامية

فكر جنكيزخان في أن أفضل طريقة لإسقاط الخلافة العباسية في العراق هي التمركز أولاً في منطقة أفغانستان وأوزبكستان؛ لذا فكَّر جنكيزخان في خوض حروب متتالية مع هذه المنطقة الشرقية من الدولة الإسلامية، التي تُعرف في ذلك الوقت بالدولة الخوارزمية، وكانت تضم بين طياتها عدة أقاليم إسلامية مهمَّة مثل: أفغانستان، وأوزبكستان، والتركمنستان، وكازاخستان، وطاجكستان، وباكستان، وأجزاء من إيران، وكانت عاصمة هذه الدولة الشاسعة هي مدينة أورجندة (في تركمنستان حاليًّا). كان هذا اللقاء الدامي في عام 616هـ/ 1219م.

ثم هلكت بُخارَى ثم دخلت سنة 617هـ/ 1220م، وفيها ارتكب التتار من الفظائع ما تعجز الأقلام عن وصفه؛ فقد كرروا ما فعلوه في بخارى في عدة مدن إسلامية عظيمة أخرى مثل سمرقند، وقد استقر فيها السفاح جنكيزخان بعدما أعجبته،
اتجهت قوات التتار إلى اجتياح أذربيجان المسلمة، ثم إلى أرمينيا وجورجيا لمواجهة قبائل الكرج (وهي قبائل وثنية ونصرانية)، وتم احتلال أرمينيا وجورجيا
وبذلك يكون التتار قد وصلوا من الصين إلى كازاخستان ثم أوزبكستان ثم التركمنستان ثم أفغانستان ثم إيران ثم أذربيجان ثم أرمينيا ثم جورجيا، وقد اقتربوا جدًّا من العراق، كل هذا في سنة واحدة!! في سنة 617هـ/ 1220م.

تحالف الصليبين والتتار

في هذه الأوقات كان "لويس التاسع " ملك فرنسا يجهز لحملته الصليبية على مصر، والتي عُرِفت في التاريخ بالحملة الصليبية السابعة، وكان يجمع جيوشه في جزيرة قبرص، وذلك في سنة 646هـ/ 1248م،
وقد رأى لويس التاسع أن الأمل لم ينقطع في إمكانية التحالف مع التتار ضد المسلمين؛ فأرسل سفارة صليبية ثالثة من قبرص إلى منغوليا لطلب التعاون من كيوك في هذه الحملة، وزوَّد السفارة بالهدايا الثمينة، والذخائر النفيسة، لكن عندما وصلت هذه السفارة إلى (قراقورم) العاصمة التترية في منغوليا فوجئت بوفاة خاقان التتار (كيوك)، ولم يكن كيوك قد ترك إلا أولادًا ثلاثة صغارًا لا يصلحون للحكم في هذه السن الصغيرة، فتولَّت أرملة كيوك -وكانت تُدعَى أوغول قيميش- الوصاية عليهم، ومن ثَمَّ تولت حكم التتار، وذلك ابتداءً من سنة 646هـ/ 1248م، ولمدة ثلاث سنوات.
حاول لويس التاسع الاتصال بالتتار، والتنسيق معهم للهجوم على المسلمين؛ فاعتذرت أرملة كيوك؛ لانشغالها بالصراعات على الحكم،
 لكنَّ لويس التاسع أصرَّ على القيام بحملته حتى مع عدم اشتراك التتار، وتوجه بالفعل إلى دمياط واحتلها،
لكن انتفاضة المماليك في نهاية عصر الأيوبيين، تمكنت من هزيمة لويس التاسع وحملته، بل وأسر" لويس" نفسه بعد موقعة المنصورة الشهيرة في التاريخ.

منكوخان :


في ذات الوقت اجتمع المجلس الوطني للتتار والمسمَّى (بالقوريلتاي)، وذلك في سنة 649هـ/ 1251م، وقرروا اختيار خاقان جديد للتتار، وبالفعل اختاروا (منكوخان) ابن الامبراطور تولوي ابن جنكيزخان ،  ليكون زعيمًا جديدًا للتتار.
وكان اختيار منكوخان زعيمًا لمملكة التتار بداية تحول كبير في سياسة التتار، وبداية تغيير جذري في المناطق المحيطة بالتتار، فقد كانت لديه سياسة توسعية شبيهة بسياسة جنكيزخان المؤسِّس الأول لدولة التتار، وشبيهة أيضًا بسياسة أوكيتاي الذي فُتحت أوربا في عهده؛ ومن ثَمَّ بدأ منكوخان يفكر من جديد في إسقاط الخلافة العباسية، وما بعدها من بلاد المسلمين

سقوط بغداد والخليفة العباسي 1256 م 

منذ تولى "منكوخان " زعامة دولة التتار وهو يفكر في إسقاط الخلافة العباسية واجتياح العراق، ثم بعد ذلك اجتياح الشام ومصر، وكان منكوخان قائدًا قويًّا حازمًا، لكن ساعده بصورة أكبر إخوته الثلاثة الذين كانوا عونًا له في تحقيق أحلامه، فأحد إخوته وهو (أرتق بوقا) ظلَّ معه في (قراقورم) العاصمة؛ ليدير معه الإمبراطورية الواسعة،
وأما الأخ الثاني (قبيلاي) فقد أوكل إليه إدارة الأقاليم الشرقية التي تضم الصين وكوريا وما حولها من أقاليم،
 وأما الأخ الثالث (هولاكو) فقد أصبح مسئولاً عن إدارة إقليم فارس وما حوله؛ مما يجعله في مواجهة الخلافة الإسلامية مباشرة،
 ومنذ تسلَّم هولاكو قيادة قطاع فارس وهو يُعِدُّ العُدَّة لإسقاط الخلافة العباسية
لقد بدأ هولاكو عمله في سنة 649هـ/ 1251م بحميَّة شديدة وسرعة فائقة، ومع ذلك فإنه كان يتحلى بالصبر والأناة والإتقان في كل خطوة؛ فقد ظلَّ يُعِدُّ العدة في صبر حتى مرت خمس سنوات كاملة من سنة 649هـ/ 1251م إلى سنة 654هـ/ 1256م، وهو يعمل في نشاط لكي يكون جاهزًا تمامًا
موت الخليفة : وأمر هولاكو بعد ذلك بقتل الخليفة المستعصم بالله رفسًا بالأقدام؛ لتكون نهايته مهينة كما كانت حياته. وبعد ذلك اتجه فريق من أشقياء التتار لعمل إجرامي بشع، وهو تدمير مكتبة بغداد العظيمة، وهي أعظم مكتبة على وجه الأرض في ذلك الزمن، وهي الدار التي كانت تحوي عصارة فكر المسلمين في أكثر من ستمائة عام، وجمعت فيها كل العلوم والآداب والفنون
دمشق
ترك هولاكو حامية تترية حول بغداد، وبدأ يفكر بجدية في الخطوة التالية، وجاء الدور على دمشق التي يحكمها الناصر يوسف الخائن وهنا اجتمع أعيان دمشق وكبراؤها، واتفقوا على أن يفعلوا مثلما فعل أهل (حماة)، فيأخذوا مفاتيح المدينة، ويسلموها إلى هولاكو، ثم يطلبوا الأمان منه، ولم يخالف هذا الرأي إلا قلة من المجاهدين قرروا التحصُّن في قلعة دمشق، والدفاع حتى النهاية.
وصدق ظن هولاكو عندما أعطى الأمان الحقيقي لأهل حماة؛ فإن ذلك دفع غيرهم من أهل المدن الكبرى لأن يفعلوا مثلهم. وخرج وفد من أعيان دمشق يستقبل جيش هولاكو، ويسلمه مفاتيح المدينة ومقاليد الحكم في دمشق.

موت منكوخان

في هذه الأثناء حدث أمر لم يكن في حسبان هولاكو في هذا التوقيت، لقد مات (منكوخان) زعيم دولة التتار، 1259 م ،
وجاءت الأخبار بذلك إلى هولاكو قبل أن يصل إلى دمشق؛ فلم يتردد هولاكو في أن يترك جيشه، ويسرع بالعودة إلى (قراقورم) عاصمة التتار للمشاركة في عملية اختيار خليفة منكوخان، وترك هولاكو على رأس جيشه أكبر قواده وأعظمهم (كتبغا نوين)، وهو كما ذكرنا قبل ذلك من التتار النصارى.
قوبيلاي خان (1260-1294 م)  :
وأسرع هولاكو بالعودة، حتى إذا وصل إلى إقليم فارس جاءته الرسل من (قراقورم) بأنه قد تم اختيار أخيه (قوبيلاي) خاقانًا جديدًا للتتار. ومع أن الأمر كان صدمة كبيرة لأحلام هولاكو، وكان على خلاف توقعاته، بل وعلى خلاف قواعد الحكم التي وضعها جنكيزخان قبل ذلك، إلا أنه تقبل الأمر بهدوء، وآثر أن يمكث في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما وقد رأى الخيرات العظيمة في هذه المناطق، وصار بعد امبراطور الصين .
 لكن هولاكو لم يرجع مرة أخرى إلى الشام، بل ذهب إلى" تبريز" (في إيران حاليًا)، وجعلها مركزًا رئيسيًّا لإدارة كل هذه الأملاك الواسعة. وتبريز إضافةً إلى حصانتها وجوها المعتدل، فإنها تتوسط المساحات الهائلة التي دخلت تحت حكم هولاكو حتى الآن، فهو يحكم بدايةً من أقاليم خوارزم التي تضم كازاخستان وتركمنستان وأوزبكستان وأفغانستان وباكستان، ومرورًا بإقليم فارس وأذربيجان، وانتهاءً بأرض العراق وتركيا والشام.
فلسطين
قرر القائد كتبغا أن يحتل فلسطين، فأرسل فرقة من جيشه، فاحتلت نابلس، ثم احتلت غزة، ولم تقترب الجيوش التترية من الإمارات الصليبية الأوربية المنتشرة في فلسطين، كما لم يقتربوا من إمارات الصليبيين في سورية ولبنان، وبذلك قُسِّمت فلسطين بين التتار والصليبيين.
وبهذا الاحتلال الأخير لفلسطين يكون التتار قد أسقطوا العراق بكامله، وأجزاء كبيرة من تركيا، وأسقطوا أيضًا سورية بكاملها، وكذلك أسقطوا لبنان، ثم فلسطين!! وقد حدث كل ذلك في عامين فقط!!
ووصل التتار في فلسطين إلى غزة، ، وبات معلومًا للجميع أن الخطوة التالية المباشرة للتتار هي احتلال مصر

بداية النهاية
( قطز ، بيبرس، بركة خان ) ثلاثة كانوا السبب في بداية نهاية امبراطورية الدّم .

بعد ذكر تاريخ سقوط بغداد، فكيف كانت نهاية المغول ؟
فبعد أن اجتاحوا بغداد، انطلق هولاكو خان  وجيشه إلى بلاد الشام، تنفيذًا لخطة أخيه "منكوقا آن"، فكانت حلب من أولى المدن سقوطًا على يده، بعد حصار دام مدة طويلة جدًا، فلما قترب من دمشق فرَّ الملك "الناصر يوسف الأيوبي" مع قوَّاته، تاركًا مدينته لمصيرها المحتوم،
ولما أن أراد إكمال مسيرته في الغزو، وصله خبر وفاة أخيه "منكوقا آن خان"، فلم يرد ترك مكان عرش أخيه فارغًا، فغير المسار، وذهب إلى إيران، لتنصيب أخيه "قوبلاي" خانًا، وترك حامية من جيشه بقيادة "كتبغا"، إلى حين رجوعه، ظنًا منه أنه لن تكون هناك قوة تستطيع الوقوف بوجهه،
 فكان قد أرسل رسالة تهديد ووعيد إلى الملك سيف الدين قطز، فلم يفزع كغيره من حكام المسلمين، فقتل رسل المغول، وجهز جيشه بسرعة. والتقى بجيشه مع جيش المغول بقيادة كتبغا، في موقعة عين جالوت الشهيرة، القريبة من طبريا، وأجهز جيش المماليك على جيش المغول في معركة دارت رحاها من طلوع الشمس إلى العصر، فكانت تلك أول هزيمة يُصفع بها المغول بتاريخ إمبراطوريتهم، وطردوا من الشام، وحكمها المماليك بشدة،
لكن هولاكو حاول أن يعيد لدولته الهيبة، فعاود المسلمون هزيمته، فعرفت بذلك الإجابة عن سؤال: كيف كانت نهاية المغول، وكانت تلك الجهود مشتركة بين بركة خان، ابن عم هولاكو والذي أسلم وكان له دور كبير جدًا في إضعاف دولة هولاكو وبين قطز والقوات التركية بقيادة أرطغرل، حتى أنه قيل بأن هولاكو مات إثر ضغطه النفسي بما حل بدولته من انقسام إلى ثلاثة دول، وكان عمره عند موته ثمان وأربعون عامًان

معركة عين جالوت (25 رمضان 658 هـ / 3 سبتمبر 1260م


معركة عين جالوت
هي إحدى أبرز المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي؛ إذ استطاع جيش المماليك بقيادة سيف الدين قطز إلحاق أول هزيمة قاسية بجيش المغول بقيادة كتبغا. و كانت مصر في تلك الفترة تئِنُّ من الصراعات الداخلية والتي انتهت باعتلاء سيف الدين قطز عرش مصر سنة 657 هـ / 1259 سلطانا لمماليك مصر بعد أن اتخذ قراره بعزل الطفل نور الدين علي بن أيبك واعتلاء عرش مصر.
التحضير للمعركة :
فبدأ بالتحضير لمواجهة التتار، فقام بترتيب البيت الداخلي لمصر وقمع ثورات الطامعين بالحكم، ثم أصدر عفواً عاماً عن المماليك الهاربين من مصر بعد مقتل فارس الدين أقطاي بمن فيهم بيبرس، ثم طلب من العز بن عبد السلام إصدار فتوى تُشرع له جمع الضرائب على سكان مصر بعد أن واجهته أزمة اقتصادية عجز من خلالها عن تجهيز الجيش،
وكان له ما أراد وأصدر الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فتوى تجيز جمع الضرائب بشروطٍ خاصة ومحددة،
قال ابن كثير : وكان حاصل كلامه أنه قال: " إذا لم يبق في بيت المال شئ ثم أنفقتم أموال الحوائض المذهبة وغيرها من الفضة والزينة، وَتَسَاوَيْتُمْ أَنْتُمْ وَالْعَامَّةُ فِي الْمَلَابِسِ سِوَى آلَاتِ الحرب بحيث لم يبق للجندي سوى فرسه التي يركبها، ساغ للحاكم حينئذ أخذ شئ من أموال الناس في دفع الأعداء عنهم، لأنه إذا دهم العدو البلاد، وجب على الناس كافة دفعهم بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ".
كان لمعركة عين جالوت أثراً عظيماً في تغيير موازين القوة بين القوى العظمى المتصارعة في منطقة الشام، فقد تسببت خسارة المغول في المعركة من تحجيم قوتهم، فلم يستطع القائد المغولي هولاكو الذي كان مستقراً في تبريز من التفكير بإعادة احتلال الشام مرةً أخرى، وكان أقصى ما فعله رداً على هزيمة قائده كتبغا هو إرسال حملة انتقامية أغارت على حلب.

رسالة هولاكو الى سيف الدين قطز

و يحملها أربع رسل من التتار، وذكر المؤرخ " المقريزي " نص الرسالة :
" من ملك الْمُلُوك شرقاً وغرباً "القان الْأَعْظَم" بِاسْمِك اللَّهُمَّ باسط الأَرْض وَرَافِع السَّمَاء،
يعلم الْملك المظفر قطز الَّذِي هُوَ من جنس المماليك الَّذين هربوا من سُيُوفنَا إِلَى هَذَا الإقليم يتنعمون بإنعامه وَيقْتلُونَ من كَانَ بسلطانه بعد ذَلِك.
يعلم الْملك المظفر قطز وَسَار أُمَرَاء دولته وَأهل مَمْلَكَته بالديار المصرية وَمَا حولهَا من الْأَعْمَال أَنا نَحن جند الله فِي أرضه خلقنَا من سخطه وسلطنا على من حلّ بِهِ غَضَبه. فلكم بِجَمِيعِ الْبِلَاد مُعْتَبر وَعَن عزمنا مزدجر فاتعظوا بغيركم وَأَسْلمُوا إِلَيْنَا أَمركُم قبل أَن ينْكَشف الغطاء فتندموا وَيعود عَلَيْكُم الْخَطَأ. فَنحْن مَا نرحم من بَكَى وَلَا نرق لمن شكى وَقد سَمِعْتُمْ أننا قد فتحنا الْبِلَاد وَطَهِّرْنَا الأَرْض من الْفساد وقتلنا مُعظم الْبِلَاد فَعَلَيْكُم بالهرب وعلينا بِالطَّلَبِ. فَأَي أَرض تأويكم وَأي طَرِيق تنجيكم وَأي بِلَاد تحميكم. فَمَا من سُيُوفنَا خلاص وَلَا من مهابتنا مناص. فخيولنا سوابق وسهامنا خوارق وسيوفنا صواعق وقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال. فالحصون لدينا لَا تمنع والعساكر لقتالنا لَا تَنْفَع ومطركم علينا لَا يسمع فَإِنَّكُم أكلْتُم الْحَرَام وَلَا تعفون عِنْد الْكَلَام وخنتم العهود والأيمان وَفَشَا فِيكُم العقوق والعصيان. فأبشروا بالمذلة والهوان ، فاليوم تُجْزونَ عَذَاب الْهون بِمَا كُنْتُم تستكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَبِمَا كُنْتُم تفسقون وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون،
فَمن طلب حربنا نَدم وَمن قصد أماننا سلم.
فَإِن أَنْتُم لشرطنا ولأمرنا أطعتم، فلكم مَا لنا وَعَلَيْكُم مَا علينا ، وَإِن خالفتم هلكتم فَلَا تهلكوا نفوسكم بِأَيْدِيكُمْ. فقد حذر من أنذر،
وَقد ثَبت عنْدكُمْ أَن نَحن الْكَفَرَة، وَقد ثَبت عندنَا أَنكُمْ الفجرة، وَقد سلطنا عَلَيْكُم من لَهُ الْأُمُور الْمقدرَة وَالْأَحْكَام الْمُدبرَة ،فكثيركم عندنَا قَلِيل وعزيزكم عندنَا ذليل وَبِغير الأهنة لملوككم عندنَا سَبِيل. فَلَا تطلوا الْخطاب وأسرعوا برد الْجَواب قبل أَن تضرم الْحَرْب نارها وترمى نحوكم شِرَارهَا فَلَا تَجِدُونَ منا جاهاً وَلَا عزا وَلَا كَافِيا وَلَا حرْزا. وتدهون منا بأعظم داهية وتصبح بِلَادكُمْ مِنْكُم خَالِيَة. فقد أنصفنا إِذْ راسلناكم، وأيقظناكم إِذْ حذرناكم ، فَمَا بَقِي لنا مقصد سواكم. وَالسَّلَام علينا وَعَلَيْكُم وعَلى من أطَاع الْهدى وخشي عواقب الردى وأطاع الْملك الْأَعْلَى " .

بركة خان

 هو بركة خان بن جوجي بن جنكيز خان'، وهو أحد سبعة أبناء لجوجي وهم 'باتو، أوردا، شوبان، بركة، جمتاي، بركجار، توقاتيمر وكان الابن الأكبر 'باتو' وكان ترتيبه على اخوته هو الرابع بعد شوبان، قد ورث منصب أبيه وأصبح زعيما للقبيلة الذهبية، والتي تعد أولى قبائل التتار إسلاما وأكثرها تعاطفا وتأدبا مع المسلمين.
 تعاطف 'باتو' مع المسلمين في بلاده ، وأخذ النصارى خاصة الرهبان والقساوسة في بلاد المغول في تحريض الزعيم الكبير للمغول 'كيوك بن أوغطاي' لمحاربة 'باتو' قبل أن ينتشر الإسلام في كل ربوع الشمال.
وتوفي 'باتو' سنة 650 هجرية ، وخلفه من بعده في رئاسة القبيلة الذهبية ابنه 'حرتق' الذي لم يعش طويلا حتى توفي وانتقلت الرئاسة لعمه 'بركة خان' وذلك سنة 653 هجرية.
دخل 'بركة خان' الإسلام سنة 650 هجرية وكان من قبل محبا ومتأثرا بالإسلام بسبب امرأة أبيه 'رسالة' وقد التقى 'بركة خان' في مدينة 'نجارى' مع أحد علماء المسلمين واسمه نجم الدين مختار الزاهدي  ، والذي له ألف رسالة عن الاسلام .
بعدما أعلن 'بركة خان' إسلامه كان أول ما فعله أن أرسل ببيعته للخليفة العباسي المستعصم ببغداد، وهذا الإجراء رغم أنه بسيط وبه كثير من الشكلية؛ لأن خليفة المسلمين وقتها لم يكن له أي نفوذ حقيقي إلا على مساحة ضيقة من الأرض، إلا أنه يعطي صورة واضحة جلية نحو ولاء 'بركة خان' لسلطان المسلمين وانضوائه تحت جماعة المسلمين.
بعدما اعتلى 'بركة خان' رئاسة القبيلة الذهبية أخذ في إظهار شعائر الإسلام، وقام 'بركة خان' بإكمال بناء مدينة 'سراي' وهي مدينة 'سراتوف' الآن في روسيا على نهر الفولجا وجعلها عاصمة القبيلة الذهبية، وبنى بها المساجد والحمامات ووسعها جدا حتى صارت أكبر مدن العالم وقتها، وجعلها على السمت الإسلامي الخالص.
وقد ظهرت غيرته على المسلمين بوضوح عندما فكر القائد المغولي 'هولاكو بن تولوي بن جنكيزخان' في الهجوم على بغداد، وكان 'مونكو خان بن تولوي' أخو 'هولاكو خان' هو خان المغول وقد نال هذا المنصب بمساعدة قوية من 'باتو' الأخ الأكبر 'لبركة خان'.
وحاول 'هولاكو' إقناع أخيه الأكبر مونكو خان بهذه الفكرة، وبالفعل وافق على الفكرة ورحب بالهجوم على باقي بلاد المسلمين، وبدأ 'هولاكو' في الإعداد لذلك،
وما أن وصلت الأخبار إلى 'بركة خان' أسرع إلى أخيه 'باتو' وألح عليه في منع الهجوم على المسلمين وقال له: "  إننا نحن الذين أقمنا 'مونكو' خانا أعظما، وما جازانا على ذلك إلا أنه أراد أن يكافينا بالسوء في أصحابنا ويخفر ذمتنا ويتعرض إلى ممالك الخليفة وهو صاحبي وبينى وبينه مكاتبات وعقود ومودة وفي هذا ما لا يخفى من القبح".
وبالفعل أقتنع 'باتو' تماما بكلام أخيه وبعث إلى هولاكو يكفه عما ينويه من قتال المسلمين؛ وبالفعل أجل 'هولاكو' الهجوم على المسلمين حتى وفاة 'باتو'.
تفريقه لوحدة المغول الوثنيين:
فقد استغل 'بركة خان' خروج الخان الأعظم "مونكو" لقتال بعض الخارجين عليه ومعه أخاه قوبلاي خان وترك أخاه الآخر 'أرتق بوكا' مكانه لتسيير الأمور لحين عودته، فاستغل 'بركة خان' وفاة 'مانغو' في الطريق لإثارة الفتنة بين 'أرتق بوكا' قوبلاي'، حيث اتفق الجند والأمراء على تولية 'قوبلاي'، فأرسل 'بركة خان' إلى 'أرتق بوكا' بقوة عسكرية لمنازعة أخيه 'قوبلاي' على منصب الخان الأعظم، وحرض أيضا أسرة أوقطاي خان على مساعدة 'أرتق بوكا' ووقعت الحرب بينهما سنة 658 هجرية وذلك قبل معركة عين جالوت بقليل مما جعل هولاكو يعود مسرعا من الشام لفض النزاع.
محالفته للمماليك:
فقد دخل 'بركة خان' في حلف مع المماليك وكثرت المراسلات والاتصالات بينه وبين السلطان بيبرس وكان لها أثر كبير في توجيهه لحرب 'هولاكو'.
وبالفعل اتفق 'بركة خان' و'بيبرس' على محاربة 'هولاكو' وكتب 'بركة خان' برسالة إلى 'بيبرس' يقول له فيها:
 " قد علمت محبتي للإسلام وعلمت ما فعل هولاكو بالمسلمين، فاركب أنت من ناحية حتى آتيه أنا من الناحية الأخرى؛ حتى نهزمه أو نخرجه من البلاد، وأعطيك جميع ما كان بيده من البلاد".
محاربته لهولاكو:
لم يكتف 'بركة خان' بمناصرة المسلمين، فلقد انقلب حربا ضروسا على المغول الوثنيين عموما وعلى 'هولاكو' خصوصا حيث لم ينس 'بركة خان' ما فعله 'هولاكو' بالخلافة العباسية أبدا عندما اكتسح هولاكو بجحافله بغداد.
وسير هولاكو  جيشا كبيرا لمحاربة 'بركة خان'  فيه معظم جنوده يقودهم ابنه أباقا، فخرج لهم 'بركة خان' بنفسه على رأس الجيش ومزق جيش هولاكو شر تمزيق سنة 661 هجرية في منطقة القوقاز ولم ينج منهم سوى القليل.
موت هولاكو :
وجد هولاكو أن كل البلايا والهزائم التي حاقت به وبالتتار جميعا كان سببها 'بركة خان' فاشتد غيظه وحقده على 'بركة خان' وحاول محاربته عدة مرات ولكنه هزم شر هزيمة مما أشعل الغيظ في قلبه حتى وصلت نيران غيظه إلى عقله وجسده، فأصيب بجلطة في المخ بعد وصوله خبر هزيمة ولده 'أباقا' أمام 'بركة خان' سنة 661 هجرية وظل يعاني من الصرع حتى هلك سنة 663 هجرية، فانتقم 'بركة خان' للإسلام والمسلمين من هذا المجرم الطاغية الذي دمر دولة الخلافة الإسلامية وسفك دم الملايين من المسلمين.
رحيل "بركة خان "ووفاته 665هـ / ديسمبر 1266م:
وقد ترك ولدين أحدهما له أربعة أولاد والثاني ولد واحد، ولكن أيا منهم لم يخلفه على العرش، وكانوا يعيشون في مدينة ساكسين. وقد سمى السلطان المملوكي الظاهر بيبرس ولده الأكبر بركة خان حبا في شخصية بركة خان.

سنة 661 هجرية /1262 م

قال ابن كثير :

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وستين وستمائة استهلت وسلطان البلاد الشامية والمصرية الظاهر بيبرس، وعلى الشام نائبه آقوش النجيبي ، وَلَيْسَ لِلنَّاسِ خَلِيفَةٌ، وَإِنَّمَا تَضْرِبُ السِّكَّةُ بِاسْمِ المستنصر الذي قتل.
وَفِيهَا قَدِمَتْ رُسُلُ بَرَكَةَ خَانَ إِلَى الظَّاهِرِ يَقُولُ لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ مَحَبَّتِي للإسلام، وَعَلِمْتَ مَا فَعَلَ هُولَاكُو بِالْمُسْلِمِينَ، فَارْكَبْ أَنْتَ من ناحية حتى آتيه أَنَا مِنْ نَاحِيَةٍ حَتَّى نَصْطَلِمَهُ أَوْ نُخْرِجَهُ من البلاد وأعطيك جَمِيعَ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنَ الْبِلَادِ، فَاسْتَصْوَبَ الظَّاهِرُ هَذَا الرَّأْيَ وَشَكَرَهُ وَخَلَعَ عَلَى رُسُلِهِ وَأَكْرَمَهُمْ.
وفيها التقى بركه خان وهولاكو وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ جُيُوشٌ كَثِيرَةٌ فَاقْتَتَلُوا فَهُزِمَ الله هُولَاكُو هَزِيمَةً فَظِيعَةً وَقُتِلَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَغَرِقَ أَكْثَرُ مَنْ بَقِيَ وَهَرَبَ هُوَ فِي شِرْذِمَةٍ يسيرة ولله الحمد.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وستين وستمائة
فيها جهز السلطان الظَّاهِرُ عَسْكَرًا جَمًّا كَثِيفًا إِلَى نَاحِيَةِ الْفُرَاتِ لِطَرْدِ التَّتَارِ النَّازِلِينَ بِالْبِيرَةِ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِالْعَسَاكِرِ قد أقبلت ولوا مدبرين، فَطَابَتْ تِلْكَ النَّاحِيَةُ وَأَمِنَتْ تِلْكَ الْمُعَامَلَةُ، وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَا تَسْكُنُ مِنْ كَثْرَةِ الفساد والخوف، فعمرت وأمنت.
وفيها خرج الملك الظاهر في عساكره فقصد بلاد الساحل لقتال الْفِرِنْجِ فَفَتَحَ قَيْسَارِيَّةَ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ مِنْ يوم الخميس ثامن جمادى الأولى يَوْمُ نُزُولِهِ عَلَيْهَا، وَتَسَلَّمَ قَلْعَتَهَا فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الْآخَرِ خَامِسَ عَشَرَةَ فَهَدَمَهَا وَانْتَقَلَ إِلَى غيرها، ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّهُ فَتَحَ مَدِينَةَ أَرْسُوفَ وَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنَ الْفِرِنْجِ وَجَاءَتِ الْبَرِيدِيَّةُ بِذَلِكَ .فَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَفَرِحُوا بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا.
وَفِيهَا وَرَدَ خَبَرٌ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ بِأَنَّهُمُ انْتَصَرُوا عَلَى الْفِرِنْجِ وَقَتَلُوا منهم خمسة وأربعين ألفاً، وأسروا عشرة آلاف، واسترجعوا منهم ثنتين وأربعين بلدة منها برنس وَإِشْبِيلِيَّةُ وَقُرْطُبَةُ وَمُرْسِيَةُ، وَكَانَتِ النُّصْرَةُ فِي يَوْمِ الخميس رابع عشر رَمَضَانَ سَنَةَ ثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ
وَفِيهَا جَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ سُلْطَانَ التَّتَارِ هُولَاكُو هَلَكَ إِلَى لَعْنَةِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ فِي سَابِعِ رَبِيعٍ الْآخِرِ بِمَرَضِ الصَّرَعِ بِمَدِينَةِ مَرَاغَةَ، وَدُفِنَ بِقَلْعَةِ تَلَا وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ قُبَّةٌ واجتمعت التتار على ولده أَبْغَا، فَقَصَدَهُ الْمَلِكُ بَرَكَةُ خَانَ فَكَسَرَهُ وَفَرَّقَ جموعه، ففرح الملك الظاهر بذلك، وَعَزَمَ عَلَى جَمْعِ الْعَسَاكِرِ لِيَأْخُذَ بِلَادَ الْعِرَاقِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ لِتَفَرُّقِ الْعَسَاكِرِ فِي الْإِقْطَاعَاتِ.
وَفِيهَا فِي ثَانِي عَشَرَ شَوَّالٍ سَلْطَنَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ وَلَدَهُ الْمَلِكَ السَّعِيدَ مُحَمَّدَ بَرَكَةَ خان، وَأَخَذَ لَهُ الْبَيْعَةَ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَأَرْكَبَهُ وَمَشَى الأمراء بين يديه
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وستمائة
فِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْمَلَكِ الظَّاهِرِ رُكْنِ الدِّينِ بَيْبَرْسَ، صَاحِبِ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ وَالْحَلَبِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَقَامَ وَلَدَهُ نَاصِرَ الدِّينِ أَبَا الْمَعَالِي محمد بركه خان الملقب السَّعِيدِ مِنْ بَعْدِهِ، وَوَفَاةُ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّين النَّوَوِيِّ إِمَامِ الشَّافِعِيَّةِ فِيهَا فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا،
وَدَخَلَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ وَقَدْ كَسَرَ التَّتَارَ عَلَى الْبُلُسْتَيْنِ، وَرَجَعَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا فَدَخَلَ دِمَشْقَ وَكَانَ يَوْمُ دُخُولِهِ يَوْمًا مَشْهُودًا .

مناوشات التتار بعد عين جالوت ..1- الخان التتري محمود غازان 1274-1304

لم ينقطع العداء بين المماليك والمغول مُنذُ موقعة عين جالوت، إذ ظلَّ مغول فارس يتحيَّنون الفُرصة لِلثأر، ويُغيرون بين حينٍ وآخر على أطراف الدولة المملوكيَّة الشماليَّة بِالعراق والشَّام. ولكنَّ موجة المغول الكاسحة كانت قد انكسرت حدَّتها بعد هزيمتهم الفادحة في عين جالوت، وبعد وفاة هولاكو، وأصبحوا في حالةٍ من الإجهاد والمشاكل الداخليَّة لا تُمكنهم من القيام بِمُحاولةٍ كُبرى لِغزو الشَّام. لِذلك، سعى خليفة هولاكو آباقا خان إلى طلب الصُلح من بيبرس، على الرُغم من احتفاظه بِمشاعر العدائيَّة والكراهيَّة تجاه المُسلمين، وسياسته الوديَّة تجاه الصليبيين في الشَّام وقيليقية.
وكان أهم ما تعرَّضت له دولة المماليك في ذلك الدور هو تجدُّد هجمات المغول على الشَّام، إذ أوغلت جُيُوش الإلخان محمود غازان في الشَّام سنة 697هـ المُوافقة لِسنة 1298م حتَّى أنزلت الهزيمة بِالمماليك عند مجمع المُرُوج بين حِمص وحماة. ويبدو أنَّ مُقاومة المماليك في الشَّام انهارت بعد هذه الهزيمة، فدخل غازان دمشق وعاث جُنُوده فيها فسادًا. على أنَّ غازان اكتفى بذلك وعاد إلى بلاده بعد أن عيَّن نائبًا عنه في دمشق. وكان ذلك في الوقت الذي خرج جيشٌ كبير من المماليك على رأس السُلطان الناصر مُحمَّد قاصدًا الشَّام سنة 698هـ المُوافقة لِسنة 1299م، وقد استطاع المماليك دُخُول دمشق وطرد المغول منها، ولم يعبئوا بِطلب غازان مُهادنتهم، الأمر الذي استثار غازان فخرج من بلاده سنة 702هـ المُوافقة لِسنة 1302م قاصدًا غزو الشَّام من جديد. وفي موقعة مرج الصفر التي دارت قُرب دمشق في تلك السنة حلَّت الهزيمة قاسيةً بِالمغول، الأمر الذي جعل الناس يفرحون بِالناصر مُحمَّد رُغم صغر سنِّه ويستقبلونه استقبالًا حارًّا في دمشق والقاهرة

رأي الشيخ تقي الدين ابن تيمية في اسلام التتار

جاء التتار إلى الشام في سنة 699 هــ وهزموا الناصر بن قلاوون، فقصدوا دمشق بعد ذلك؛ فقام ابن تيمية بالاجتماع بأعيان البلد للمسير إلى غازان سلطان التتار، لأخذ الأمان منه لأهل دمشق.
فاجتمعوا مع غازان في بلدة النبك فكلمه ابن تيمية حول مطلبهم، فاستجاب له غازان وأعطاهم وثيقة أمان، وقد أجلت هذه المقابلة دخول التتار إلى دمشق حتى حين. وقد قال ابن تيمية لغازان أثناء لقائه
: " أنت تزعم أنك مسلم، ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا فغزوتنا، وأبوك وجدك كانا كافرين، وما عملا الذي عملت، عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت، وجُزت."
وحثّ ابن تيمية على جهاد التتار ،
وقال ابن كثير : وَقَدْ تكلَّم النَّاس فِي كَيْفِيَّةِ قِتَالِ هَؤُلَاءِ التَّتَرِ مِنْ أَيِّ قَبِيلٍ هُوَ، فَإِنَّهُمْ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ وَلَيْسُوا بُغَاةً عَلَى الْإِمَامِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي طَاعَتِهِ فِي وَقْتٍ ثُمَّ خَالَفُوهُ.
فَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْأَمْرِ مِنْهُمَا، وَهَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِإِقَامَةِ الْحَقِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعِيبُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا هُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِهِ مِنَ الْمَعَاصِي وَالظُّلْمِ، وَهُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، فَتَفَطَّنَ الْعُلَمَاءُ وَالنَّاسُ لِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: إِذَا رَأَيْتُمُونِي مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ وَعَلَى رَأْسِي مُصْحَفٌ فَاقْتُلُونِي، فَتَشَجَّعَ النَّاسُ فِي قِتَالِ التَّتَارِ وَقَوِيَتْ قُلُوبُهُمْ وَنِيَّاتُهُمْ وَلِلَّهِ الحمد.

2- الخان التتري تيمور لنك 1336 م

قضى برقوق العامين التاليين في إخضاع بقايا الثُوَّار في الشَّام، ولم يكد يفرغ من ذلك حتَّى داهم الدولة المملوكيَّة خطر المغول مُجددًا، هذه المرَّة بزعامة قائد جبَّار هو تيمورلنك. وكان تيمورلنك قد استولى على بغداد سنة 795هـ المُوافقة لِسنة 1393م، واستولت جُيُوشهُ على بعض المناطق الداخلة ضمن نطاق السلطنة المملوكيَّة - مثل ماردين - ممَّا جعل السُلطان برقوق يحس بِذلك الخطر ويعمل بِسُرعة على تلافيه. وكان أن استطاع برقوق أن يعمل حلفًا سريعًا بين القوى الإسلاميَّة التي أحسَّت بِخطر تيمورلنك في الشرق الأدنى، مثل الإمارة الآرتينيَّة والقبيلة الذهبيَّة والسلطنة العُثمانيَّة.
 ولم يلبث تيمورلنك أن أرسل رسالة إلى مصر يطلب فيها من برقوق تسليمه البلاد، وأرفقها بِخطابٍ من التهديد والوعيد، فامتنع برقوق عن الاستجابة لِمطالب تيمور، وردَّ عليه بنفس أُسلوبه وطرد رُسله من القاهرة، وأخذ يستعد لِحرب المغول، ولكنَّ المنية عاجلته فمات سنة 801هـ المُوافقة لِسنة 1399م قبل الشُروع في الحرب، فترك ذلك لابنه الناصر فرج. 
وقد خرج السُلطان فرج إلى الشَّام سنة 803هـ المُوافقة لِسنة 1400م؛ لِمُحاربة تيمورلنك الذي كان قد عاد وخرَّب حلب وزحف على دمشق، فوقع بين الجيشين بعض مُناوشات بِالقُرب من دمشق كان الغلب فيها للمماليك، فطلب تيمورلنك من السُلطان الصُلح فأجابه إليه.
أسر السلطان العثماني :
إنطلق تيمورلنك في سنة ( 804 هـ- 1402 م) نحو الأناضول و اصطدم بالجيش العثماني بقياده بايزيد الأول ،  في معركة هائلة عُرفت باسم  " معركة أنقره "  وانهزم بايزيد هزيمة ساحقة، ووقع في الأسر هو وأحد أبنائه، ولم يتحمل السلطان العثماني الأسر فمات كمدًا بعد سنة واحدة من الأسر في مدينة بورصة .

تفكك الامبراطورية وانحسارها

لم تعمر الامبراطورية طويلاً، فانقسمت بين أولاده وأحفاده إلى إمارات أو ممالك صغيرة خانيات (Khane) ، امتدت من الصين إلى نهر الدانوب ،
 ومن أبرزها خانية قازان في روسيا ، والدولة الإيلخانية Ilkhane في فارس، وسلالة يوان في الصين.
وكذلك تيمورلنك (1336-1405 م ) و الذي أنشأ امبراطورية كبيرة شملت آسيا الوسطى وغربي آسيا ولم تعمر طويلاً.
إن انقسام الامبراطورية المغولية التّتارية إلى خانيات سهل عملية التدمير والنهب الروسي على خانيات قازان وأستراخان وسيبيريا،
وحرر العثمانيون خانية القرم ثم سلبها منهم الروس عام 1783م.
ليس للتتار حالياً كيان سياسي مستقل تماماً، بل هنالك جمهورية تتارية الذاتية الحكم، التي تقع ضمن الاتحاد الفيدرالي الروسي، ولا يزيد عدد التّتار في هذه الجمهورية على المليونين أي خمس التّتار في روسيا، ويعيش بعضهم في جمهوريات آسيا الوسطى المستقلة وبلدان أخرى، وعددهم في حدود عشرات الآلاف، مثل اوكرانيا واوزبكستان وأذربيجان وطاجيكستان وتركمانستان .

المصادر

ويكيبيديا / البداية والنهاية / السلوك لمعرفة دول الملوك/تاريخ الاسلام -راغب السرجاني

عن الكاتب

أبو تامر

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الرسالة الفكرية - مدونة أبو تامر