الرسالة الفكرية  الرسالة الفكرية

تحريف الانجيل وجواز الازدراء


تحريف الانجيل

كيفية تحريف الانجيل وهل يجوز الازدراء

فساد مبدأ ومذهب ازدراء المخالفين في العقيدة :

قال الله تعالى وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) ..الاية 108 سورة الأنعام

أقول : الله يأمر بالعدل والاحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر ، هذه قضية شرعية اعتقادية توحيدية قاطعة حاسمة أساسية ،
إذن فكل ما نهى عنه الله، هو منكر وفاحش ، لذا عندما ينهى الله عن سبّ وشتم المشرك وأي مخالف ، فإن الشيء المنهي عنه هو فاسد وباطل ، ألا وهو ازدراء دين الآخرين .
الحكمة وعلة ذلك : حيث أن المزدري لن يجني من ازدراءه سوى ازدراء مضاد،
ولن يحصد سوى عناد الآخر ، أو كراهيته ، بل و تمادي في عداوته وبعده عن دين المزدري والنفور منه .

قال ابن كثير في تفسير الآية :


يقول تعالى ناهياً لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سَبّ آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو.
كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبك آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبّوا أوثانهم، فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ .
وقال ابن كثير : ومن هذا القبيل - وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها - ما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ملعون من سبّ والديه ".
ق
الوا : يا رسول الله ، وكيف يسب الرجل والديه ؟
قال : " يُسبُّ أبا الرجل فيُسبَّ أباه، ويسبّ أمه فيسبّ أمه ".
أو كما قال عليه السلام" .انتهى كلام ابن كثير .
قلت.فمن لم يفهم ولا يعرف من عامة المسلمين تلك الآية وذلك الحديث ودلالتهما ، فهو أبو غباء،
هذا عن السبّ والشتم بالفاظ وكلمات رديئة ،
فما بالكم بمن زاد على الشتم بالاقدام على امتهان كتبهم الدينية واحراقها،
وأبو غباء هذا إما هو قليل الاطلاع في كتب وأقوال علماء المسلمين أو هو من ذوي الرأي الواحد وأن رأيه ومذهبه فقط هو الدين،
وما يخالفه فهو الباطل والكفر المبين،
أبو غباء هذا من الذين اعتقدوا ان التوراة والانجيل جميعها محرفة وليس فيها حرف واحد من عند الله، وأن رأيه هذا هو الدين وغيره باطل،
وعليه فقد أجاز احراق أو امتهان كتب اليهود والنصارى..

أقوال علماء المسلمين في تحريف التوراة والانجيل :

و تحريف التوراة والانجيل هي مسألة مختلف فيها بين العلماء ،
فالامام البخاري مثلا في كتابه الصحيح:
ذكر ان التحريف ليس في الألفاظ والحروف بل في التفسير والتأويل
ولقد خالف رأي البخاري علماء آخرين،
منهم من قالوا بل تم تغيير كثير من الكلمات والايات
ومنهم من قال بتغيير القليل من الانجيل والتوراة
وسنعرض أقوال ائمة العلماء مثل الحافظ ابن حجر، والشيخ ابن تيمية وائمة المفسرين لكتاب الله ، .

قول الله تعالى (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ) 


وقول المفسرين في سورة النساء الآية 46
يقول فخر الدين الرازي في التفسير الكبير :

في كيفية التحريف وجوه :

أحدها : أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر مثل تحريفهم " أسمر ربعة" عن موضعه في التوراة بوضعهم «آدم طويل» مكانه ، ونحو تحريفهم «الرجم» بوضعهم «الحد» بدله ونظيره قوله تعالى : { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله } [ البقرة : 79 ] .
فإن قيل : كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر المشهور في الشرق والغرب؟
قلنا لعله يقال : القوم كانوا قليلين ، والعلماء بالكتاب كانوا في غاية القلة فقدروا على هذا التحريف ،
والثاني : أن المراد بالتحريف : إلقاء الشبه الباطلة ، والتأويلات الفاسدة ، وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية ، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم ، وهذا هو الأصح .
الثالث : أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به ، فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه .
المسألة الثالثة : ذكر الله تعالى ههنا : { عَن مواضعه } وفي سورةالمائدة { مِن بَعْدِ مواضعه } [ المائدة : 41 ] ،
والفرق أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة ، فههنا قوله : { يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } معناه : أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص ، فههنا قوله : { يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } معناه : أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص ، وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب . وأما الآية المذكورة في سورة المائدة ، فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين ، فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة ، وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب ، فقوله : { يُحَرّفُونَ الكلم } إشارة إلى التأويل الباطل وقوله : { مِن بَعْدِ مواضعه } إشارة إلى إخراجه عن الكتاب .

قول ابن عطية في تحريف التوراة والانجيل ،

قال ابن عطية في تفسير الوجيز : واختلف العلماء في معنى قوله: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ )
فقال قوم منهم ابن عباس، تحريفهم هو بالتأويل ولا قدرة لهم على تبديل الألفاظ في التوراة ولا يتمكن لهم ذلك ويدل على ذلك بقاء آية الرجم واحتياجهم إلى أن يضع القارئ يده عليها، وقالت فرقة: بل حرفوا الكلام وبدلوه أيضا وفعلوا الأمرين جميعا بحسب ما أمكنهم.
قال القاضي أبو محمد: وألفاظ القرآن تحتمل المعنيين فقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة: 79] يقتضي التبديل. ولا شك أنهم فعلوا الأمرين.

قول ابن الجوزي في تحريف التوراة 

قال ابن الجوزي في زاد المسير :
وفي تحريفهم الكلم ثلاثة أقوال: أحدها: تغيير حدود التوراة، قاله ابن عباس. 

والثاني: تغيير صفة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قاله مقاتل. 
والثالث: تفسيره على غير ما أُنزل، قاله الزجاج.

 قول الزمخشري في قوله تعالى ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) :

قال الزمخشري صاحب الكشاف :
 يميلونه عنها ويزيلونه لأنهم اذا بدلوه ووضعوا مكانه كَلِماً غيره فقد أمالوه عن مواضعه التى وضعها الله فيها وازالوه عنها .
وأما "من بعد مواضعه ": فالمعنى أنه كانت له مواضع ، والمعنى متقاربان .اهـ
وقال أبي حيان في البحر المحيط كلاما معناه مختصرا : أن في الأولى بادروا الى التحريف والامالة قبل استقرار المراد من وضع الكلام ،
لكن الثانية في المائدة" من بعد" أن التحريف كان بعيدا وبعد استقرار وضع الكلم في مواضعه .

 في كتاب صحيح البخاري: وقال ابن عباس" ... يُحَرِّفُونَ : يُزِيلُونَ . وَلَيْسَ أَحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ ".

وفي فتح الباري بشرح صحيح البخاري –الجزء 13 ص 523 -قال الحافظ ابن حجر : - وقال أبو عبيدة في كتاب المجاز في قوله يحرفون الكلم عن مواضعه، قال: يقلبون ويغيرون .
- وقال الراغب : التحريف الإمالة وتحريف الكلام أن يجعله على حرف من الاحتمال بحيث يمكن حمله على وجهين فأكثر .
قوله وليس أحد يزيل لفظ كتاب الله من كتب الله عز وجل ولكنهم يحرفونه : يتأولونه عن غير تأويله ،
في رواية الكشميهني " يتأولونه على غير تأويله "
قال شيخنا ابن الملقن في شرحه هذا الذي قاله أحد القولين في تفسير هذه الآية وهو مختاره - أي البخاري - : وقد صرح كثير من أصحابنا بأن اليهود والنصارى بدلوا التوراة والإنجيل، وفرعوا على ذلك جواز امتهان أوراقهما، وهو يخالف ما قاله البخاري هنا انتهى،
وهو كالصريح في أن قوله " وليس أحد " إلى آخره من كلام البخاري ذيل به تفسير ابن عباس ،وهو يحتمل أن يكون بقية كلام ابن عباس في تفسير الآية" .
وقال بعض الشراح المتأخرين اختلف في هذه المسألة على أقوال،
أحدها : أنها بدلت كلها وهو مقتضى القول المحكي بِجَوَازِ الِامْتِهَانِ وَهُوَ إِفْرَاطٌ وَيَنْبَغِي حَمْلُ إِطْلَاقِ مَنْ أَطْلَقَهُ عَلَى الْأَكْثَرِ وَإِلَّا فَهِيَ مُكَابَرَةٌ وَالْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ كَثِيرَةٌ فِي أَنَّهُ بَقِيَ مِنْهَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ لَمْ تُبَدَّلْ مِنْ ذَلِكَ ،
من ذلك قوله تعالى ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل)
ومن ذلك قصة رجم اليهوديين وفيه وجود آية الرجم،
ويؤيده قوله تعالى (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
ثانيها : أن التبديل وقع ولكن في معظمها وأدلته كثيرة وينبغي حمل الأول عليه،
ثالثها : وقع في اليسير منها ومعظمها باق على حاله،
ونصره الشيخ تقي الدين بن تيمية في كتابه "الرد الصحيح على من بدل دين المسيح "،
رابعها : إنما وقع التبديل والتغيير في المعاني لا في الألفاظ" انتهى كلام الحافظ .

موقف شيخ الاسلام ابن تيمية من الانجيل ،

ابن تيمية من كبار علماء المسلمين وهو أحد شيوخ الحنابلة السلفية ولتعلم قدر ومكانة هذا الامام يكفيك أن تعرف أن من تلامذته:الائمة :ابن كثير وابن القيم وشمس الدين الذهبي .

استشهاده بالانجيل في مسائل عقيدية في باب صفات الله :

استشهد ابن تيمية في كتابه" مجموع الفتاوي" بكلام في الانجيل في مسألة " العلو والرد على الحلول" الجزء 5/406، قال :
وَفِي " الْإِنْجِيلِ " أَنَّ الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: لَا تَحْلِفُوا بِالسَّمَاءِ فَإِنَّهَا كُرْسِيُّ اللَّهِ.
وَقَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ: إنْ أَنْتُمْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ فَإِنَّ أَبَاكُمْ - الَّذِي فِي السَّمَاءِ - يَغْفِرُ لَكُمْ كُلِّكُمْ اُنْظُرُوا إلَى طَيْرِ السَّمَاءِ: فَإِنَّهُنَّ لَا يَزْرَعْنَ وَلَا يَحْصُدْنَ وَلَا يَجْمَعْنَ فِي الْأَهْوَاءِ وَأَبُوكُمْ الَّذِي فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يَرْزُقُهُمْ أَفَلَسْتُمْ أَفْضَلَ مِنْهُنَّ؟ وَمِثْلُ هَذَا مِنْ الشَّوَاهِدِ كَثِيرٌ يَطُولُ بِهِ الْكِتَابُ.
وفي اقرار محبة الله- الجزء 10/211 - قال ابن تيمية : فَفِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: " أَعْظَمُ وَصَايَا الْمَسِيحِ أَنْ تُحِبَّ اللَّهَ بِكُلِّ قَلْبِكَ وَعَقْلِكَ وَنَفْسِكَ...
ثم قال : وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ؛ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُحِبًّا لِلَّهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى غَيْرُ مُحِبٍّ لَهُ)
قلت. فلو كانت نسخة الانجيل محرفة فكيف يستشهد بها في قضية اعتقادية هامة وهي علو الله عز وجل وصفاته ؟

رأي ابن تيمية في تحريف الانجيل :


وفي الجزء 13/103 من كتابه "مجموع الفتاوي". وعن تحريف الانجيل والتوراة ، يقول ابن تيمية :
" قِيلَ: لَيْسَ فِي الْعَالِمِ نُسْخَةٌ بِنَفْسِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ بَلْ ذَلِكَ مُبَدَّلٌ؛ فَإِنَّ التَّوْرَاةَ انْقَطَعَ تَوَاتُرُهَا ، وَالْإِنْجِيلَ إنَّمَا أُخِذَ عَنْ أَرْبَعَةٍ.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ أَوْ الْإِنْجِيلِ بَاطِلٌ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ ذَلِكَ قَلِيلٌ.
وَقِيلَ: لَمْ يُحَرِّفْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ حُرُوفِ الْكُتُبِ وَإِنَّمَا حَرَّفُوا مَعَانِيَهَا بِالتَّأْوِيلِ،
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ قَالَ كُلًّا مِنْهُمَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ -أي الثالث والرابع- .
قال: وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ فِي الْأَرْضِ نُسَخًا صَحِيحَةً وَبَقِيَتْ إلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُسَخًا كَثِيرَةً مُحَرَّفَةً .
وَمَنْ قَالَ إنَّهُ لَمْ يُحَرَّفْ شَيْءٌ مِنْ النُّسَخِ ، فَقَدْ قَالَ مَا لَا يُمْكِنُهُ نَفْيُهُ،
وَمَنْ قَالَ جَمِيعُ النُّسَخِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُرِّفَتْ ،فَقَدْ قَالَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ خَطَأٌ وَالْقُرْآنُ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَيُخْبِرُ أَنَّ فِيهِمَا حُكْمَهُ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ خَبَرٌ أَنَّهُمْ غَيَّرُوا جَمِيعَ النُّسَخِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَقُولُ: هُوَ سُبْحَانَهُ قَالَ(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ)
وَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ هُوَ مَا تَلَقَّوْهُ عَنْ الْمَسِيحِ،
فَأَمَّا حِكَايَتُهُ لِحَالِهِ بَعْدَ أَنْ رُفِعَ فَهُوَ مِثْلُهَا فِي التَّوْرَاةِ ذَكَرَ وَفَاةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ،
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى بَعْدَ تَوَفِّيهِمَا لَيْسَ هُوَ مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَمِمَّا تَلَقَّوْهُ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى ،
بَلْ هُوَ مِمَّا كَتَبُوهُ مَعَ ذَلِكَ لِلتَّعْرِيفِ بِحَالِ تَوَفِّيهِمَا وَهَذَا خَبَرٌ مَحْضٌ مِنْ الْمَوْجُودِينَ بَعْدَهُمَا عَنْ حَالِهِمَا لَيْسَ هُوَ مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَلَا هُوَ مِمَّا أَمَرَا بِهِ فِي حَيَاتِهِمَا وَلَا مِمَّا أَخْبَرَا بِهِ النَّاسَ.
-وَكَذَلِكَ قوله تعالى : لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
وَقَوْلُهُ تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
فَإِنَّ إقَامَةَ الْكِتَابِ الْعَمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي الْكِتَابِ مِنْ التَّصْدِيقِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ،
وَمَا كَتَبَهُ الَّذِينَ نَسَخُوهُ مِنْ بَعْدِ وَفَاةِ الرَّسُولِ وَمِقْدَارُ عُمْرِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى الرَّسُولِ وَلَا مِمَّا أَمَرَ بِهِ وَلَا أَخْبَرَ بِهِ،
وَقَدْ يَقَعُ مِثْلُ هَذَا فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ يُصَنِّفُ الشَّخْصُ كِتَابًا فَيَذْكُرُ نَاسِخُهُ فِي آخِرِهِ عُمْرَ الْمُصَنِّفِ وَنَسَبَهُ وَسِنَّهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
وَلِهَذَا أَمَرَ الصَّحَابَةُ وَالْعُلَمَاءُ بِتَجْرِيدِ الْقُرْآنِ وَأَنْ لَا يَكْتُبَ فِي الْمُصْحَفِ غَيْرُ الْقُرْآنِ
فَلَا يُكْتَبُ أَسْمَاءُ السُّوَرِ وَلَا التَّخْمِيسُ وَالتَّعْشِيرُ وَلَا آمِينَ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ ،
وَالْمَصَاحِفُ الْقَدِيمَةُ كَتَبَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَفِي الْمَصَاحِفِ مَنْ قَدْ كَتَبَ نَاسِخُهَا، أَسْمَاءَ السُّوَرِ وَالتَّخْمِيسَ وَالتَّعْشِيرَ وَالْوَقْفَ وَالِابْتِدَاءَ وَكَتَبَ فِي آخِرِ الْمُصْحَفِ تَصْدِيقَهُ وَدَعَا وَكَتَبَ اسْمَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْقُرْآنِ،
فَهَكَذَا مَا فِي الْإِنْجِيلِ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ صَلْبِ الْمَسِيحِ وَتَوَفِّيهِ وَمَجِيئِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْحَوَارِيِّينَ لَيْسَ هُوَ مِمَّا قَالَهُ الْمَسِيحُ وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا رَآهُ مَنْ بَعْدَهُ وَاَلَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ هُوَ مَا سُمِعَ مِنْ الْمَسِيحِ الْمُبَلِّغِ عَنْ اللَّهِ ".

مسألة الصليب ومسألة كيفية دخول إلى دين الله ما ليس منه من صحابة الأنبياء والرسل قال :

يستطرد ابن تيمية فيقول : " فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الْحَوَارِيُّونَ قَدْ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ وَأَنَّهُ أَتَاهُمْ بَعْدَ أَيَّامٍ وَهُمْ الَّذِينَ نَقَلُوا عَنْ الْمَسِيحِ الْإِنْجِيلَ وَالدِّينَ فَقَدْ دَخَلَتْ الشُّبْهَةُ ".

" قِيلَ: الْحَوَارِيُّونَ وَكُلُّ مَنْ نَقَلَ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ مَا نَقَلُوهُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ الْحُجَّةَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَمَوْقُوفٌ عَلَى الْحُجَّةِ إنْ كَانَ حَقًّا قُبِلَ وَإِلَّا رُدَّ؛
وَلِهَذَا كَانَ مَا نَقَلَهُ الصَّحَابَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ يَجِبُ قَبُولُهُ؛ لَا سِيَّمَا الْمُتَوَاتِرُ كَالْقُرْآنِ وَكَثِيرٌ مِنْ السُّنَنِ.
وَأَمَّا مَا قَالُوهُ فَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَإِجْمَاعُهُمْ مَعْصُومٌ،
وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ رُدَّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ،
وَعُمَرُ قَدْ كَانَ أَوَّلًا أَنْكَرَ مَوْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ، وَقَدْ تَنَازَعُوا فِي دَفْنِهِ حَتَّى فَصَلَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ،
وَتَنَازَعُوا فِي تَجْهِيزِ جَيْشِ أُسَامَةَ وَتَنَازَعُوا فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا قَادِحًا فِيمَا نَقَلُوهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالنَّصَارَى لَيْسُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى صَلْبِ الْمَسِيحِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ صَلْبَهُ؛ فَإِنَّ الَّذِي صُلِبَ إنَّمَا صَلَبَهُ الْيَهُودُ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمَسِيحِ حَاضِرًا وَأُولَئِكَ الْيَهُودُ الَّذِينَ صَلَبُوهُ قَدْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ الْمَصْلُوبُ بِالْمَسِيحِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحَ وَلَكِنَّهُمْ كَذَبُوا وَشَبَّهُوا عَلَى النَّاسِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّاسِ.
وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ عِنْدَ النَّصَارَى خَبَرٌ عَمَّنْ يُصَدِّقُونَهُ بِأَنَّهُ صُلِبَ؛ لَكِنَّ عُمْدَتَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصُ الَّذِي جَاءَ بَعْدَ أَيَّامٍ وَقَالَ: أَنَا الْمَسِيحُ وَذَاكَ شَيْطَانٌ وَهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الشَّيَاطِينَ كَثِيرًا مَا تَجِيءُ وَيَدَّعِي أَحَدُهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ أَوْ صَالِحٌ وَيَقُولُ: أَنَا فُلَانٌ النَّبِيُّ أَوْ الصَّالِحُ وَيَكُونُ شَيْطَانًا وَفِي ذَلِكَ حِكَايَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِثْلُ حِكَايَةِ الرَّاهِبِ الَّذِي جَاءَهُ جَاءٍ وَقَالَ: أَنَا الْمَسِيحُ جِئْت لِأَهْدِيَك فَعَرَفَ أَنَّهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: أَنْتَ قَدْ بَلَّغْت الرِّسَالَةَ وَنَحْنُ نَعْمَلُ بِهَا فَإِنْ جِئْت الْيَوْمَ بِشَيْءِ يُخَالِفُ ذَلِكَ لَمْ نَقْبَلْ مِنْك. فَلَيْسَ عِنْدَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ عِلْمٌ بِأَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ}""". انتهى كلام ابن تيمية .

ورقة بن نوفل والانجيل :

قلت. والقائلون بتحريف كتب أهل الكتاب شكلا وموضوعا محجوجون أيضا ،
بابن عم أم المؤمنين خديجة عليها السلام " ورقة بن نوفل " ، وكان على دين النصارى قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، ووقع في حديث عائشة رضي الله عنها المتفق عليه في قصة أول ما بدئ رسول الله من الوحي قالت (وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، فَيَكْتُبُ بِالعَرَبِيَّةِ مِنَ الإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ) الحديث ،
وقال ورقة للنبي : ابْنَ أَخِي ماذا تَرَى؟
فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَى،
فقال وَرَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فيها جَذَعًا، أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ.
فقال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ "
فقاَل وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا)
ودلالة الحديث في أن الانجيل لم يحرف تماما ولو كان ذلك كذلك ما أسعف ورقة أن يؤمن بنبي يأتي من بعد موسى وعيسى ، وأن ورقة وبعض نفر من جزيرة العرب الذين تنصروا كانوا على التوحيد كما جاء في السيرة "" .

وخلاصة القول في تحريف الانجيل :

أن معظم ما وقع من التحريف إما سوء ترجمة من أصل لغة الانجيل وهي لغة المسيح الى لغات أخرى كالانجليزية أو العربية وغيرها ،
أو ادراج من نساخ الاناجيل بغرض تفسير لفظ أو كلمة ، فأصبحت من نص الانجيل نفسه .
أو فهم خاطئ مغاير لمعنى لفظ مشكل في الانجيل .
أو غلو في تقديس المسيح وسببه المعجزات التي جرت بين يديه من احياء الأموات وخلق الطير من الطين ، فلووا آيات من الاناجيل وترجمتها وتفاسيرها لتوافق هذا الغلو في ذات المسيح فقالوا : ابن الله ، أو هو الله .
أو نسيان الحورايين لبعض النصوص. أو الحاق بالانجيل ما جاء بعده من حكايات وروايات التلامذة والأتباع .
وعليه فكيف يجرؤ مسلم بامتهان أو إحراق كتاب مؤكد ومحقق فيه بعض آيات من كلام الله ؟

فقه المصلحة والقاعدة الفقهية :

أيضا ، اذا اختلف علماء الدين وكثيرا ما يكون ذلك في الفروع ، أن يُنْتقى ويُأْخذ من أقوالهم ما يحقق مصلحة المسلمين ، ويُترك منها ما يسبب الصراع والتنازع والتباغض والقتال بين أهل البلد الواحد ، أو بين البلدان بعضها البعض.

قاعدة : لاتزر وازرة وزر أخرى :

فإذا قيل : أن من أهل الكتاب من يسبّ مقدسات المسلمين ويسب النبي صلى الله عليه وسلم ،
يرد عليه بأنه ينبغي أن يكون العقاب والقصاص قاصرا على الفاعل فقط وليس على جيرانه أو عشيرته أو أهل دينه ،
بمعنى أن لا يصح أن تهين الانجيل ردا على اهانة شخص مسيحي ما لمقدسات اسلامية، فانك حينئذ تعاقب كل المسيحيين ، فقد قال تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى .
ولقوله تعالى (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) المائدة 82 .
وأيضا لما تقدم من النهي عن سب المخالفين في العقيدة ، ولما بيناه من أقوال العلماء في تحريف كتب اليهود والنصارى .
...



TvQuran


عن الموقع

مدونة أبو تامر- مذهبنا التحقيق وليس التقليد - تاريخ. ثقافة.عقيدة. فقه. حديث.تفسير

جميع الحقوق محفوظة

الرسالة الفكرية

2019


تطوير

ahmed shapaan