كلام وفوائد في غض البصر

بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على محمد رسول رب العالمين .

كلام في البصر والنظر وغضّه ومدّه وإنفاذه وكفّه ، ومدحه وذمّه .

محتوى مقال غض البصر :

- معنى غض البصر
- غض البصر من فروض الله تعالى
- نظر الحسد والعداوة ضد غضّ البصر
- مدّ البصر ضد غض البصر
- مرحلة ما قبل البصر والنظر
- أنواع النظر والبصر
-النظر المباح
- النظر الواجب
- التجسس واختلاس النظر وعقوبته


معنى غض البصر :

أي كفّ البصر وخَفَضَه وكسره، ومنه قوله تعالى " واغضُض من صوتك " أَي اخْفِضِ الصوت، وأصل "غضّ" :غضض.
ويعني ب"غضّ البصر ": غضه عن المحرمات ، فغضّ البصر ليس على إطلاقه أو عمومه ، فالمقصود تقييد الغض على المحرمات .
سُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنْ قوله: يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ؟
فقال أبْصَار الرؤوس عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَبْصَارُ الْقُلُوبِ عَمَّا سِوَى اللَّه تَعَالَى.

غضّ البصر من فروض الله عز وجل :

قول الله تعالى في سورة النور (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ).
وقال (وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ )
قال المفسرون : (مِنْ) هَاهُنَا لِلتَّبْعِيضِ، وَالْمُرَادُ غَضُّ الْبَصَرِ عَمَّا يَحْرُمُ وَالِاقْتِصَارُ بِهِ عَلَى مَا يَحِلُّ،
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ دَخَلَتْ " مِنْ " فِي (غَضِّ الْبَصَرِ) دُونَ حِفْظِ الْفَرْجِ ؟
قُلْنَا: دَلَالَةً عَلَى أَنَّ أَمْرَ النَّظَرِ أَوْسَعُ، لذلك أدخل كلمة" مِنْ " ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَحَارِمَ لَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إِلَى شُعُورِهِنَّ وَصُدُورِهِنَّ وَكَذَا الْجَوَارِي الْمُسْتَعْرِضَاتُ، وَأَمَّا أَمْرُ الْفَرْجِ فَمُضَيَّقٌ، وَكَفَاكَ فَرْقًا أَنْ أُبِيحَ النَّظَرُ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ وَحُظِرَ الْجِمَاعُ إِلَّا مَا استثنى مِنْهُ،
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ أَيْ يُنْقِصُوا مِنْ نَظَرِهِمْ ، فَالْبَصَرُ إِذَا لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ عَمَلِهِ فَهُوَ مَغْضُوضٌ مَمْنُوعٌ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا مِنْ لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ بَلْ هِيَ مِنْ صِلَةِ الْغَضِّ ، يُقَالُ غَضَضْتُ مِنْ فُلَانٍ إِذَا نَقَصْتُ مِنْ قَدْرِهِ.
قال القرطبي : الْبَصَرُ هُوَ الْبَابُ الْأَكْبَرُ إِلَى الْقَلْبِ، وَأَعْمَرُ طُرُقِ الْحَوَاسِّ إِلَيْهِ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ كَثُرَ السُّقُوطُ مِنْ جِهَتِهِ.
وَوَجَبَ التَّحْذِيرُ مِنْهُ، وَغَضُّهُ وَاجِبٌ عَنْ جَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَكُلِّ مَا يُخْشَى الْفِتْنَةُ مِنْ أَجْلِهِ .

نظر الحسد والعداوة ضد غضّ البصر :

" وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ "
يقول جلّ ثناؤه: وإن يكاد الذين كفروا يا محمد يَنْفُذونك بأبصارهم من شدة عداوتهم لك ويزيلونك فيرموا بك عند نظرهم إليك غيظا عليك.
وقد قيل: إنه عُنِيَ بذلك: وإن يكان الذين كفروا مما عانوك بأبصارهم ليرمون بك يا محمد، ويصرعونك، كما تقول العرب: كاد فلان يصرعني بشدة نظره إليّ، قالوا: وإنما كانت قريش عانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوه بالعين، فنظروا إليه ليعينوه، وقالوا: ما رأينا رجلا مثله، أو إنه لمجنون،
فقال الله لنبيه عند ذلك: وإن يكاد الذين كفروا ليرمونك بأبصارهم (لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)
وفي الحديث ،قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " الْعَيْنُ حَقٌّ " . رواه مسلم والبخاري .
أي الإصابة بالعين شيء ثابت موجود أو هو من جملة ما تحقق كونه.

مدّ البصر ضد غض البصر :

(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) سورة طه
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تنظر إلى ما هؤلاء المترفون وأشباههم ونظراؤهم فيه من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك وقليل من عبادي الشكور. وقال مجاهد: أزواجا منهم، يعني الأغنياء

مرحلة ما قبل البصر والنظر :

أغلب الناس والعلماء يتحدثون عن النظر أنه البداية وهو الخطوة الأولى في الانزلاق الى المحرمات ،
لكني أقول أن هناك خطوة ومرحلة قبلها ،وهي البداية الحقيقية ألا وهي تطلع النفس ،
فاذا دُرّبت النفس ورُيّضت ألَّا تتطلع الى المحرمات، وسُجِنت الشهوات ، فإنها لا تسعى الى النظر الى المنهيات والمحرمات،
ولا تدفع العينين والبصر وتسوقهما الى الاطلاع ، فاذا صادفهما فتنة، أَلجمت النفسُ البصرَ وكَفّتْهُ عمّا لا يحلّ له .
لكن إن صارت النفس متشوقة ومتشوفة لشيء ما ، فأنها ترسل إلى العينين والبصر وتأمرهما بالانفعال والعمل ،وترضى بفعلهما .

أنواع النظر والبصر :

نظر القلب ونظر العينين ونظر النفس.
نظر الفقراء والجياع والمساكين إلى الأغنياء.
ونظر الدول فقيرة الموارد للدول غنية الموارد .
ونظر المراهقين والرجال الى مفاتن النساء
ونظر المرضى الى المعافين والأصحاء
ونظر المحروم من الولد الى صاحب العيال
ونظر البليد الى الذكي
ونظر الفاشل الى الناجح
ونظر الأمي الى المتعلم والمثقف
ونظر العامة الى الحكام والأمراء والشيوخ

أنواع غض البصر:

1- عن المحرمات .
2-غض البصر عن زينة الحياة الدنيا .

النظر المباح :

أي الغير محرم ومنه :

1- نظر الخاطب .

رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: " أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
 أَنْظُرُ إِلَيْهَا ،فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا
".
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِلْخِطْبَةِ".
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ :خَطَبْتُ امْرَأَةً ،
فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟
فَقُلْتُ: لَا،
قَالَ: فَانْظُرْ !فَإِنَّهَا أَحْرَى أَنْ يَدُومَ بَيْنَكُمَا .
فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا لِلشَّهْوَةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
وَيَدُلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ [الْأَحْزَابِ: 52] ،
وَلَا يُعْجِبُهُ حُسْنُهُنَّ إِلَّا بَعْدَ رُؤْيَةِ وُجُوهِهِنَّ .

2- النظرة الأولى ونظر الفجْأة :

عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي ".
رواه مسلم .
ومعنى نظر الفجأة أن يقع بصره على الأجنبية من غير قصد فلا إثم عليه في أول ذلك ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال فإن صرف في الحال فلا إثم عليه وإن استدام النظر أثم لهذا الحديث فإنه صلى الله عليه وسلم أمره بأن يصرف بصره مع قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم
روي عنه عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ: " يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ "
وَلِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنِ الْأُولَى لَا يُمْكِنْ فَوَقَعَ عَفْوًا قَصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ، ذكره فخر الدين الرازي

3-النظر بغرض تحمل الشهادة .

وقال محي الدين النووي : ويجب على الرجال غض البصر عن المرأة الأجنبية في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي وهو حالة الشهادة والمداواة وإرادة خطبتها أو شراء الجارية أو المعاملة بالبيع والشراء وغيرهما ونحو ذلك وإنما يباح في جميع هذا قدر الحاجة دون ما زاد والله أعلم.

قال الرازي : يَنْظُرُ إِلَيْهَا عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَى غَيْرِ الوجه لأن المعرفة تحصل به .

4- النظر بغرض المعالجة .

ويَجُوزُ لِلطَّبِيبِ الْأَمِينِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا لِلْمُعَالَجَةِ .

5- لَوْ وَقَعَتْ المرأة فِي غَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ .

فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى بَدَنِهَا لِيُخَلِّصَهَا،


النظر الشرعي :

بغرض التفكر في آلاء الله :
قال الله تعالى آمرا عباده (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يونس 101
يقول الله عز وجل : انظروا، أيها القوم، ماذا في السمواتِ من الآيات الدّالة على حقيقة ما أدعوكم إليه من توحيد الله، من شمسها وقمرها، واختلافِ ليلها ونهارِها، ونزول الغيث بأرزاق العبادِ من سحابها وفي الأرض من جبالها، وتصدُّعها بنباتها، وأقوات أهلها، وسائر صنوف عجائبها، فإن في ذلك لكم إن عقلتم وتدبَّرتم موعظة ومعتبرًا،

وقال (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الأنعام
فالنظر المحمود هو النظر بغرض الاعتبار وهو واجب على الناس .وقال (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)
ومنه النظر الى القبور والموتى للاعتبار والاتعاظ .

التجسس واختلاس النظر وعقوبته :

1- قال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من اطلع فِي بَيت قوم بِغَيْر إذْنهمْ فقد حلّ لَهُم أَن يفقؤوا عينه.

رَوَاهُ مسلم عن أبي هريرة
ولفظ البُخَارِيّ : لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِعَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ .
وَفِي رِوَايَة للنسائي : من اطلع فِي بَيت قوم بِغَيْر إذْنهمْ ففقؤوا عينه فَلَا دِيَة لَهُ وَلَا قصاص

2-وَعَن أنس رَضِي الله عَنهُ : أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، " فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِشْقَصٍ، أَوْ: بِمَشَاقِصَ،فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعُنَهُ .
(يَخْتِلُ ) يحاول أن يأتيه من حيث لا يشعر (ليطعنه) ليضربه
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ،وَلَفظه:
" أَن أَعْرَابِيًا أَتَى بَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فألقم عينه خصَاصَة الْبَاب فَبَصر بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فتوخاه بحديدة أَو عود ليفقأ عينه فَلَمَّا أَن أبصره انقمع،
فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أما إِنَّك لَو ثَبت عَلَيْك لفقأت عَيْنك المِشْقِص
".
و(خَصَاصة الْبَاب) هِيَ الثقب فِيهِ والشقوق وَمَعْنَاهُ أَنه جعل الشق الَّذِي فِي الْبَاب محاذيا عينه . (توخاه ): أَي قَصده

3-وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ رَضِي الله عَنهُ :
" أَن رجلا اطلع على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من جُحر فِي حجرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مدراة يحكّ بهَا رَأسه،
فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو علمت أَنَّك تنظر لطعنت بهَا فِي عَيْنك، إِنَّمَا جعل الاسْتِئْذَان من أجل الْبَصَر ".
مدراة : حديدة شبه المشط .
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ.
قلت وعليه فإن : الاستئذان من غضّ البصر:
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته