حكم الدفن في المساجد وبنائها على القبور

المقبرة في المسجد . 
 

الدفن في المساجد :

حكم بناء المساجد على القبور :  

لماذا يرغب البعض في أن يدفنوا في المساجد ؟
لا تجد أحداً من العامة يرغب في ذلك ، إنما هو دأب وعادة بعض الخاصة من الناس كالأمراء والمشايخ ،
فما مبرر هؤلاء ودوافعهم ؟
هل هو جنون العظمة و حب الانفراد في الممات كما كان في الحياة ؟
حيث كان يسكن القصور والأبنية الضخمة الفخمة المصونة من اقتحام العامة ، فأراد ان يكون مدفنه كذلك من الخصوصية والفخامة .

أكثر مسجد في مصر يضم مقابر :

مسجد الرفاعي بالقاهرة :

ضريح الرفاعي


مقبرة فاروق 

مقبرة الخديوي اسماعيل



أنشئته خوشيار هانم زوجة ابراهيم باشا ووالدة الخديوي اسماعيل عام 1869 ميلادية ، بعد أن اشترت الأماكن المجاورة لزواية الشيخ الرفاعي المدفون بها،
وخصصت جزء منه ليكون مدافن للأسرة .
حيث يضم المسجد عدد 17 مقبرة وآخرها مقبرة محمد رضا شاه ايران المخلوع بعد الثورة الخمينية وتم دفنه بناء على أمر الرئيس السادات عام 1980:
منها مقبرة الشيخ الرفاعي ، ومقبرة الشيخ يحي الأنصاري ،وخوشيار أم الخديوي اسماعيل ، والخديوي اسماعيل ، وثلاث زوجات للخديوي ،
وعلى جمال الدين ابن الخديوي اسماعيل ، والسلطان حسين كامل ، والملك فؤاد الأول ، والملك فاروق الأول .

الحكم الشرعي في الدفن في المساجد :

هذه المسألة كغيرها في مسائل الدين والشريعة تجد لها نصوصا محكمة وأخرى متشابه ،
فأمّا الذي في قلوبهم زيغ فيتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله،
وتمسكوا بآية الكهف حيث قال تعالى : "فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ".
واحتجوا بأن الله لم يذمّ القائلين ببناء المسجد ولم يعقب على قولهم بالوعيد فكأنه سكت عن ذلك ، والسكوت يدل على الجواز والاباحة .

كما احتجوا بوقوع قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي ، وهذه الشبهة مردودة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد دُفن في بيت عائشة وليس في المسجد ،
وانما وقع ذلك بعده بسبب توسعة الوليد بن عبد الملك بن مروان للمسجد وادخاله لحجرات أمهات المؤمنين الى المسجد
.

ولنا قوله تعالى : " وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ " ،
وجثث الموتى وما يخرج منها ، نجس . فوجب تنزيه المسجد عن رفات الموتى .

وقال تعالى " وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ " سورة الجن ّ . وقوله " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ "
فالمسجد هو بناء مخصوص لله ولعبادته ، فحيث لا يصح أن يكون مسكنا لأحد من الأحياء ،كذلك لا يجوز ان يكون مدفنا لهم بعد الممات .

روى الصحيحان البخاري ومسلم عن عائشة :
أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن أولئك ذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة".

قال الامام القرطبي في تفسيره : قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد.
وروى الأئمة عن أبي مرثد الغنوي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" لفظ مسلم.
أي لا تتخذوها قبلة فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى، فيؤدي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام.
فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال:" اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد".

كما روى الصحيحان عن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" . يحذر ما صنعوا .

قصة توسيع الحرم النبوي في عهد الوليد بن عبد الملك :

يقول ابن كثير في البداية والنهاية : " ثم دخلت سنة ثمان وثمانين (هجرية) ..
وذكر ابن جرير: أنه في شهر ربيع الأول من هذه السنة قدم كتاب الوليد على عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم المسجد النبوي وإضافة حجر أزواج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وأن يوسعه من قبلته وسائر نواحيه، حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع، فمن باعك ملكه فاشتره منه وإلا فقومه له قيمة عدل ثم اهدمه وادفع إليهم أثمان بيوتهم، فإن لك في ذلك سلف صدق عمر وعثمان.
فجمع عمر بن عبد العزيز وجوه الناس والفقهاء العشرة وأهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد،
فشق عليهم ذلك وقالوا: هذه حجر قصيرة السقوف، وسقوفها من جريد النخل، وحيطانها من اللبن، وعلى أبوابها المسوح، وتركها على حالها أولى لينظر إليها الحجاج والزوار والمسافرون، وإلى بيوت النبي (صلى الله عليه وسلم) فينتفعوا بذلك ويعتبروا به، ويكون ذلك أدعى لهم إلى الزهد في الدنيا، فلا يعمرون فيها إلا بقدر الحاجة وهو ما يستر ويكن، ويعرفون أن هذا البنيان العالي إنما هو من أفعال الفراعنة والأكاسرة، وكل طويل الأمل راغب في الدنيا وفي الخلود فيها.
فعند ذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة المتقدم ذكرهم،
فأرسل إليه يأمره بالخراب وبناء المسجد على ما ذكر، وأن يعلي سقوفه،.
فلم يجد عمر بُداً من هدمها، ولما شرعوا في الهدم صاح الأشراف ووجوه الناس من بني هاشم وغيرهم، وتباكوا مثل يوم مات النبي (صلى الله عليه وسلم) ،
وأجاب من له ملك متاخم للمجسد للبيع فاشترى منهم، وشرع في بنائه وشمر عن إزاره واجتهد في ذلك،
وأرسل الوليد إليه فعولا كثيرة، فأدخل فيه الحجرة النبوية - حجرة عائشة - فدخل القبر في المسجد، وكانت حده من الشرق وسائر حجر أمهات المؤمنين كما أمر الوليد،
وروينا أنهم لما حفروا الحائط الشرقي من حجرة عائشة بدت لهم قدم فخشوا أن تكون قدم النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى تحققوا أنها قدم عمر رضي الله عنه،
ويحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد - كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجدا - والله أعلم.
وذكر ابن جرير: أن الوليد كتب إلى ملك الروم يسأله أن يبعث له صناعا للبناء، فبعث إليه بمائة صانع وفصوص كثيرة من أجل المسجد النبوي،
والمشهور أن هذا إنما كان من أجل مسجد دمشق فالله أعلم ".

قول المفتيين والفقهاء من الأزهر في أن الدفن فى المسجد غير جائز:

1- المفتي/ عبد المجيد سليم .جمادى الأولى 1359 هجرية - 22 من يونيه 1940 م

السؤال : كتبت وزارة الأوقاف ما يأتى - يوجد بوسط مسجد عز الدين أيبك قبران ورد ذكرهما فى الخطط التوفيقية وتقام الشعائر أمامهما وخلفهما .
وقد طلب رئيس هذا المسجد إلى محافظة مصر دفنه فى أحد هذين القبرين لأن جدّه الذى جدد بناء المسجد مدفون بأحدهما .
فنرجو التفضل ببيان الحكم الشرعى فى ذلك
جواب المفتي :
اطلعنا على كتاب الوزارة رقم 2723 المؤرخ 21 - 3 - 1940 المطلوب به بيان الحكم الشرعى فيما طلبه رئيس خدم مسجد عز الدين أيبك من دفنه فى أحد القبرين اللذين بهذا المسجد .
ونفيد أنه قد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه لا يجوز أن يدفن فى المسجد ميت لا صغير ولا كبير ولا جليل ولا غيره .
فإن المساجد لا يجوز تشبيهها بالمقابر .
وقال فى فتوى أخرى إنه لا يجوز دفن ميت فى مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غير إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدا الخ ،
وذلك لأن فى الدفن فى المسجد إخراجا لجزء من المسجد عما جعل له من صلاة المكتوبات وتوابعها من النفل والذكر وتدريس العلم وذلك غير جائز شرعا .
ولأن اتخاذ قبر فى المسجد على هذا الوجه الوارد فى السؤال يؤدى إلى الصلاة إلى هذا القبر أو عنده .
وقد وردت أحاديث كثيرة دالة على حظر ذلك قال شيخ الإسلام إبن تيمية فى كتابه انقضاء الصراط المستقيم صفحة 158 ما نصه:
إن النصوص عن النبى صلى اللّه عليه وسلم تواترت بالنهى عن الصلاة عند القبور مطلقا واتخاذها مساجد أو بناء المساجد عليها .
ومن الأحاديث ما رواه مسلم عن أبى مرثد قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها .
وقال ابن القيم نص الإمام أحمد وغيره على أنه إذا دفن الميت فى المسجد نبش وقال - أى ابن تيمية - لا يجتمع فى دين الإسلام مسجد وقبر بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق إلى آخر ما قال فى كتابه زاد المعاد .
وقال الإمام النووى فى شرح المهذب صفحة 316 ما نصه اتفقت نصوص الشافعى والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهورا بالصلاح أو غيره لعموم الأحاديث .
قال الشافعى والأصحاب - وتكره الصلاة إلى القبور سواء كان الميت صالحا أو غيره قال الحافظ أبو موسى قال الإمام الزعفرانى رحمه اللّه :
ولا يصلى إلى قبر ولا عنده تبركا به ولا إعظاما له للأحاديث وقد نص الحنفية على كراهة صلاة الجنازة فى المسجد لقوله عليه الصلاة والسلام من صلى على جنازة فى المسجد فلا أجر له وعلل صاحب الهداية .
هذه الكراهة بعلتين إحداهما أن المسجد بنى لأداء المكتوبات يعنى وتوابعها من النوافل والذكر وتدريس العلم .
وإذا كانت صلاة الجنازة فى المسجد مكروهة للعلة المذكورة كراهة تحريم كما هو إحدى الروايتين وهى التى اختارها العلامة قاسم وغيره كان الدفن فى المسجد أولى بالحظر لأن الدفن فى المسجد فيه إخراج الجزء المدفون فيه عما جعل له المسجد من صلاة المكتوبات وتوابعها .
وهذا مما لا شك فى عدم جوازه شرعا . وبما ذكرنا علم الجواب عن السؤال متى كان الحال كما ذكر

2- وفتوى للشيخ عطية صقر .مايو 1997

السؤال : بنى رجل مسجدا وأوصى أن يدفن فيه فهل تصح الوصية ويلزم تنفيذها؟

الجواب :

أجاب الشيخ عبد المجيد سليم بتاريخ 22 من يونية 1940 م على مثل هذا السؤال بأن ابن تيمية أفتى بأنه لا يجوز أن يدفن فى المسجد ميت ، لا صغير ولا كبير ولا جليل ولا غيره ، فإن المساجد لا يجوز تشبيهها بالمقابر، وأن المسجد لو كان موجودا ثم دفن فيه ميت وجب أن يسوى القبر و ينبش ويخرج منه الميت إن كان جديدا، وعلَّل ذلك بأن الدفن فى المسجد إخراج لجزء منه عما جعل له من الصلوات والذكر وتدريس العلم ، وذلك غير جائز شرعا ، وبأن إنشاء قبر فيه يؤدى إلى الصلاة إليه أو عنده ، وذلك منهى عنه ، وأورد فى كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم " ص 158 بعض الأدلة على النهى عن الصلاة عند القبور مطلقا واتخاذها مساجد أو بناء المساجد عليها ، منها حديث مسلم "لا تجلسوا على القبور ولا تصلُّوا إليها" وقال ابن تيمية أيضا : لا يجتمع فى دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق .

إن هذا الحكم مبنى على مذهب الإمام أحمد الذى يأخذ به ابن تيمية وابن القيم ، وعند الشافعية أن ذلك ليس بحرام ولكنه مكروه ، قال النووى فى شرح المهذب "ص 316" قال الشافعى والأصحاب : وتكره الصلاة إلى القبور، سواء كان الميت صالحا أو غيره ، قال الحافظ أبو موسى : قال الإمام الزعفرانى رحمه الله : ولا يصلى إلى قبر ولا عنده ، تبركا به ولا إعظاما له ، للأحاديث .

فالحكم عندهم هو الكراهة التنزيهية لا التحريمية ولا الحرمة ، ومناط الحكم بذلك هو التبرك والإعظام ، فإذا لم يكن تبرك ولا إعظام فلا كراهة على هذا .

أما الحنفية فالدفن فى المسجد أولى بالحظر من الصلاة على الجنازة فى المسجد، الوارد فيها حديث "من صلى على جنازة فى المسجد فلا أجر له" لأن فيها كما قال صاحب الهداية -إخراجا لجزء من المسجد عما جعل له من العبادة بالصلاة والذكر والعلم ، وصلاة الجنازة فى المسجد مكروهة كراهة تحريم كما هو إحدى الروايتين وهى التى اختارها العلامة قاسم وغيره "الفتاوى الإسلامية المجلد الثانى صفحة 655" وهى سنة عند الشافعية وجائزة عند الحنابلة إن لم يخش تلويث المسجد .

هذا إذا كان الدفن داخل المسجد أما إذا كان بجواره خارجا عنه فلا حرمه ولا كراهة

...