رفاعة رافع الطهطاوي

 







رفاعة الطهطاوي بين الريادة وفوبيا التغريب. 


رفاعة الشيخ الأزهري رائد النهضة العلمية:


الشيخ المعمم الواعظ الذي اتسع جهده لكثير من مجالات العلم والثقافة والدين والأدب والصحافة ،
فكان بين الترجمة والتخطيط والانشاء والاشراف والنظارة والتأليف ، شاملا لكافة العلوم :
من رياضيات وطبيعيات وانسانيات وقوانين وتشريع واقتصاد ومحاسبة وعلوم سياسية ،
فصار بذلك وبحق رائد النهضة التعليمية في مصر والعالم العربي والاسلامي في العصر الحديث .

رفاعة بين الأصالة والمعاصرة :

كان رفاعة أصيلاً ومعاصراً عند المنصف والمحقق من دون إشكالٍ ولا اختلاف، ففى الوقت الذي ترجم فيه متون الفلسفة والتاريخ الغربي ونصوص العلوم الأوروبىة الحديثة،
نرى رفاعة يبدأ في جمع الآثار المصرية القديمة ويستصدر أمراً لصيانتها ومنعها من التهريب والضياع.
ومع تأليفه كتابا عن باريس ، يكتب كتابا في السيرة النبوية .

قول الشاعر عبد الرحمن الأبنودي في رفاعة :

تكرم جميع العمم.. لاجلك يا طهطاوى . لو كلهم كانوا زيك كنا فين دلوقت؟

ترجمة رِفَاعَة الطَّهْطَاوِي في كتاب "الأعلام " للزركلي الدمشقي "ت 1396 هـ" :


رفاعة رافع بن بدوي بن علي الطهطاوي، يتصل نسبه بالحسين السبط:
عالم مصري، (1216ه - 1290 هـ = 1801 م- 1873 م)
من أركان نهضة مصر العلمية في العصر الحديث.
ولد في طهطا، وقصد القاهرة سنة 1223 هـ فتعلم في الأزهر.
وأرسلته الحكومة المصرية إماما للصلاة والوعظ مع بعثة من الشبان أوفدتهم إلى أوربة لتلقي العلوم الحديثة، فدرس الفرنسية وثقف الجغرافية والتاريخ.
ولما عاد إلى مصر ولي رئاسة الترجمة في المدرسة الطبية،
وأنشأ جريدة (الوقائع المصرية)
وألف وترجم عن الفرنسية كتبا كثيرة، منها (قلائد المفاخر في غرائب عادات الأوائل والأواخر - ط) مترجم، وأصله لدبنج Depping،
و (المعادن النافعة - ط) لفيرارد Ferard، و (مبادئ الهندسة - ط) .
مؤلفاته : (المرشد الأمين في تربية البنات والبنين - ط) و (نهاية الإيجاز - ط) في السيرة النبويّة، و (أنوار توفيق الجليل - ط) في تاريخ مصر،
و (تعريب القانون المدني الفرنساوي - ط) و (تاريخ قدماء المصريين - ط) و (بداية القدماء - ط) و (جغرافية ملطبرون - ط) Malte - Brun
و (جغرافية بلاد الشام - خ) رسالة في 53 ورقة، و (التعريفات الشافية لمريد الجغرافية - ط) و (تخليص الإبريز - ط) رحلته إلى فرنسة.
قال عمر طوسون: وهو مؤسس مدرسة الألسن وناظرها، وأحد أركان النهضة العلمية العربية بل إمامها في مصر.
توفي بالقاهرة.

دراسة رفاعة  وبدايته :

كان رفاعة قد حفظ القرآن الكريم، ودرس النحو واللغة، كما حفظ كثيرًا من المتون المتداولة في عصره. وعندما بلغ السادسة عشرة من عمره أكمل رفاعة دراسته في الأزهر الشريف،

ومن حُسن حظه أن درس على يد الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر، فقد كان واسع الأفق، كثير الأسفار، يقرأ كتب الجغرافيا والتاريخ والطب والرياضيات والأدب والفلك؛
فخرج رفاعة كأستاذه واسع الأفق، عميق المعرفة. وقد تخرج رفاعة في الأزهر في الحادية والعشرين من عمره
بعض الكتب التي درسها رفاعة في الأزهر :
صحيح البخاري على الشيخ الفضالي ،
 وجمع الجوامع في الأصول، و مشارق الأنوار في الحديث على الشيخ حسن القويسني الذي تولى مشيخة الأزهر سنة 1834م و الحكم لابن عطاء الله السكندري على الشيخ البخاري و(مغنى اللبيب) و (جمع الجوامع) على الشيخ محمد حبيش
و(شرح ابن عقيل) على الشيخ الدمنهوري .

رفاعة الطهطاوي وتهمة تخريب الهوية الاسلامية :

دأب صنف من المسلمين من الذي لايعرفون الانصاف ، متبعي التشدد والتقليد ، مرصدي ومتربصي زلات الخصوم ، أعداء العلوم الطبيعية غير الشرعية ، مدمني الاتهامات والاشاعات والشبهات ،
أن يرموا غيرهم بتهم مثل التغريب وطمس الهوية الاسلامية ونبذ الدين والخروج على أحكامه ،حتى لو كان هؤلاء المتهمين من رجال الدين وعلماء الاسلام .
فكيف يقال فيمن حفظ القرآن الكريم في الصغر ونشأ في بيئة رجالها شيوخ وقضاة ، ثم درس في الأزهر، علوم وكتب الحديث والفقه و التفسير، أنه خرّب الهوية الاسلامية ؟
وكان تلميذا نابغا محبوبا لدى شيخ الازهر وقتئذ حسن العطار ؟
وفيمن من انجازاته ،استصدار قرار تدريس العلوم والمعارف باللغة العربية وهي العلوم والمعارف التي تدرَّس اليوم في بلادنا باللغات الأجنبية
وإصدار جريدة الوقائع المصرية العربية بدلا من التركية .
أم هل لأن رفاعة درس اللغة الفرنسية ؟
وألف كتابا في وصف مدينة باريس وحياتها وأهلها ؟ فلذلك قد خرب الهوية الاسلامية .
وقام بترجمة علوم الطب الى العربية وغيرها من العلوم الطبيعية ؟ وهل قامت الهوية الاسلامية الا على لغتها العربية ؟
( ولعلنا قد سمعنا في وقتنا الحاضر أن بعض طلبة الطب والهندسة تركوا الدراسة واتجهوا لتعلم علوم الحديث والعقيدة والعلوم الشرعية ، وما زلنا البعض من الطلبة مترددا مما جعل مستواه العلمي متدنيا ،
غيرنا وأعداؤنا تفوقوا علينا في أسباب القوة ولا نستطيع صناعة السلاح الذي ندافع به عن أنفسنا وعرضنا وأرضنا ،
وبالأمس القريب أحد رؤساء حكوماتنا العربية يصرح ويتحسر على أنهم حتى اللحظة لم يستطيعوا تصنيع ثلاجة !!!!!)

ونستطرد ونقول : أم لأن رفاعة ترجم المسرحيات والفنون الأجنبية ؟
ولماذا يخاصم الكثير من التيار الاسلامي الاداب والفنون ؟
وبغض النظر عن الاختلاف الفقهي في الغناء والموسيقى والسماع إلا أن ذلك ليس تغريبا أو تخريبا للهوية الاسلامية وانظر الى مكانتها في الحضارة الاسلامية التي تتشدقوا بها -وهي حق – في الخلافة العباسية .
لم يتوقف رفاعة عن تدريس الشريعة الاسلامية بجانب الأدب، وحين انشأ مدرسة القاهرة عام 1835 وتولى نظارتها لم يكف عن تعليم الطلاب الشرائع الاسلامية حيث أنشأ لها قسم يدرس المذهب الحنفي لتخريج القضاة .

كيف يقال على رفاعة الطهطاوي أنه خرّب الهوية الاسلامية وهو الذي سعى إلى إنجاز أول مشروع لإحياء التراث العربي الإسلامي، ونجح في إقناع الحكومة بطبع عدة كتب من عيون التراث العربي على نفقتها، مثل تفسير القرآن للفخر الرازي المعروف بمفاتيح الغيب ؟؟؟

كيف يقال هذا على من صنف كتابا في السيرة النبوية اسمه " نهاية الايجاز في سيرة ساكن الحجاز " ؟ وهو من آخر كتابات ومؤلفات رفاعة ، ليعلم الناس كافة ويربط شباب المسلمين ب سيرة رسول الاسلام صلى الله عليه وسلم : 

فقرات من كتاب نهاية الايجاز في سيرة ساكن الحجاز :  

انظر واقرأ فقرة في أول كتاب رفاعة وهو يتحدث عن شخص النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة :

" فكان صلّى الله عليه وسلّم شهير الاسم شريف النعت في مكة المشرّفة التى هى أم القري ، وكان له صلّى الله عليه وسلّم محاسن سنية؛ كقضائه حين حكّموه في بناء الكعبة، وكإعانته صلّى الله عليه وسلّم على إبطال ما كان نواه عثمان بن حويرث لمّا تنصّر وأراد أن يجعل الكعبة تحت ولاء الروم؛ فببركته صلّى الله عليه وسلّم وبتوسطه في المنع خاب سعي الحويرث.
ومن محاسنه أيضا ومكارم أخلاقه كفالته ابن عمه عليّ بن أبى طالب.
ومنها فديته زيدا القضاعى بن حارثة بن شرحبيل الذى وقع أسيرا عند أعدائه، فاشتراه صلّى الله عليه وسلّم وأعتقه، فظهر لقريش حكمه وكرمه، وأنه فاق في ذلك اباءه وأجداده.
قريش خيار بني ادم ... وخير قريش بنو هاشم
وخير بني هاشم كلهم ... نبيّ الإله أبو القاسم

وكان صلّى الله عليه وسلّم أمّيا لا يكتب ولا يقرأ، وفي وجوده بهذه الصفة تنبيه على أنّ كمال علمه مع حالة الأمية من معجزاته، ونسبته إلى الأم كأنه على حاله التى ولد عليها، لا يعرف كتابة ولا قراءة، وفي الحديث: «إنّا أمّة أميّة لا نحسب ولا نكتب» .

وكانت الأمية في حقه صلّى الله عليه وسلّم معجزة، وإن كانت في حقّ غيره غير ممدوحة، قال القاضى عياض:
«لأن معجزته العظمى القران العظيم، إنما هى متعلقة بطريقة المعارف والعلوم، مع ما منح صلّى الله عليه وسلّم وفضّل به من ذلك، ووجود مثل ذلك ممن لم يقرأ ولم يكتب ولم يدارس ولم يلقّن مقتضى العجب ومنتهى العبر ومعجز للبشر؛ فليس فيه إذ ذاك نقيصة؛ إذ المطلوب من القراءة والكتابة المعرفة، وإنما هى الة وواسطة موصّلة إليها، غير مرادة في نفسها، فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغنى عن الواسطة» .
وقال أيضا: «إنّ من وصفه صلّى الله عليه وسلّم بالأمية أو نحوها من اليتم وما جرى عليه من الأذي؛ فإن قصد بذلك مقصده من التعظيم والدلالة على نبوته ونحو ذلك كان حسنا، ومن أراد ذلك على غير وجهه، وعلم منه سوء مقصده لحق بالسّابّ، فيقتل أو يؤدّب بحسب حاله» . انتهي.

وفي فصل الاسراء قال
ولما بلغ صلّى الله عليه وسلّم إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر (قبل الهجرة بسنة) أسرى به من حجر مكة المعظّم ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو أوّل القبلتين، وثانى المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشدّ الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه؛ فقد روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدى هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصي» ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى السماوات العلي، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام " .
ولم يخلو الكتاب من ذكر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة ،

ثم عقد فصلا في نهاية الكتاب عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وقال في بدايته :
" من المعلوم أنه صلّى الله عليه وسلّم لمّا كان خاتم النبيين وسيد المرسلين، واتاه الله علم الأولين والاخرين، وفضّله على سائر الخلق أجمعين،
خصّه بمناقب لا يحصيها أحد من العالمين، فكيف وهو الذى أظهر هذا الدين القويم، وأنار هذا الصراط المستقيم! فكل فضل منسوب إلى فضله، وكل علم مستفاد من علمه ونبله " ..

وقال : وكان صلّى الله عليه وسلّم لا ينتقم لنفسه ولا يغضب لها، إلا أن تنتهك حرمات الله، فيغضب لله، وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد، وكان أرجح الناس عقلا وأفضلهم، يكثر الذكر ويطيل الصمت، دائم البشر، وكان أصدق الناس وأوفاهم ذمة، وأوسعهم صدرا وأكرمهم عشيرة، وأحسنهم خلقا، وإذا انتهى إلي قوم جلس حيث ينتهى به المجلس، يؤلّف أصحابه ولا ينفّرهم، ويكرم كلّ كريم قوم ويولّيه عليهم، ويثنى على مكارم الأخلاق " .

عمل رفاعة الطهطاوي في الجيش المصري :

بعد تخرجه من الأزهر خدم بعدها كإمام وواعظ في الجيش النظامي الجديد الذي أسسه محمد علي باشا عام 1824.
بعد وفاة عباس الأول سنة (1854 م) عاد الطهطاوي من منفاه بالسودان إلى القاهرة، وأسندت إليه الوالي الجديد "سعيد باشا" نظارة المدرسة الحربية التي أنشأها سعيد لتخريج ضباط أركان حرب الجيش سنة (1856م)، وقد عنى بها الطهطاوي عناية خاصة، وجعل دراسة اللغة العربية بها إجبارية على جميع الطلبة، وأعطى لهم حرية اختيار أجدى اللغتين الشرقيتين: التركية أو الفارسية، وإحدى اللغات الأوربية: الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية،
ثم أنشأ بها فرقة خاصة لدراسة المحاسبة، وقلمًا للترجمة برئاسة تلميذه وكاتب سيرته صالح مجدي، وأصبحت المدرسة الحربية قريبة الشبه بما كانت عليه مدرسة الألسن.

محنة رفاعة مع الخديوي عباس و الخديوي سعيد :

ظلت مدرسة الألسن خمسة عشر عامًا، كانت خلالها مشعلاً للعلم، ومنارة للمعرفة، ومكانًا لالتقاء الثقافتين العربية والغربية، إلى أن عصفت بها يد الحاكم الجديد عباس الأول، فقام بإغلاقها لعدم رضاه عن سياسة جده محمد علي وعمه إبراهيم باشا وذلك في سنة (1265هـ - 1849م)، وأوقف أعمال الترجمة وقصر توزيع الوقائع على كبار رجال الدولة من الأتراك،
كما أمر بإرسال رفاعة إلى السودان بحجة توليه نظارة مدرسة ابتدائية يقوم بإنشائها هناك،سنة 1850 م ،
فتلقى رفاعة الأمر بجلد وصبر، وذهب إلى هناك، وظل في منفاه فترة دون عمل استغلها في ترجمة رواية فرنسية شهيرة بعنوان "مغامرات تلماك"، ثم قام بإنشاء المدرسة الابتدائية، وكان عدد المنتظمين بها نحو أربعين تلميذًا، ولم يستنكف المربي الكبير أن يدير هذه المدرسة الصغيرة، ويتعهد نجباءها برعاية خاصة .
وجاهد رفاعة للرجوع إلى الوطن وهو الأمرُ الذي تيسَّر بعد موت الخديوى عباس وولاية سعيد باشا ، وكانت أربعة أعوام من النَّفْى قد مرَّتْ.
عاد رفاعة بأنشط مما كان، فأنشأ مكاتب محو الأمية لنشر العلم بين الناس وعاود عمله في الترجمة (المعاصرة) ودفع مطبعة بولاق لنشر أمهات كتب التراث العربي "الأصالة" .
قضى رفاعة فترةً حافلة أخرى من العمل الجامع بين الأصالة والمعاصرة حتى انتكس سعيد فأغلق المدارس وفصل رفاعة عن عمله سنة 1861
ثم يتولى الخديوي اسماعيل الحكم بعد وفاة سعيد، سنة 1863:
فيعاود رفاعة العمل ويقضى العقد الأخير من عمره الحافل في نشاط مفعم بالأمل، فيشرف مرة أخرى وأخيرة على مكاتب التعليم، ويرأس إدارة الترجمة، ويصدر أول مجلة ثقافية في تاريخنا روضة المدارس ويكتب في التاريخ (أَنْوارُ تَوْفِيقِ الجَلِيل فِى أَخْبَارِ مِصْرَ وتَوْثِيقِ بَنىِ إِسْمَاعِيل)،
وفي التربية والتعليم والتنشئة (مَبَاهِجُ الأَلْبَابِ المِصْرِيَّةِ فِى مَنَاهِج الآدَابِ العَصْرِيَّةِ)، (المُرْشِدُ الأَمِينِ للبَنَاتِ والبنَينِ)،
وفي السيرة النبوية (نِهَايَةُ الإِيجَازِ فِى تَارِيخِ سَاكِنِ الحِجَازِ) ومن مؤلفاته أيضاً (القول السديد في الاجتهاد والتجديد)

وفاة رفاعة :

وقد توفي رفاعة الطهطاوي سنة ١٨٧٣م عن عمر يناهز الثانية والسبعين عامًا، بعد أن قدم مشروعًا نهضويًّا رائدًا، استفادت منه الحركة الثقافية والعلمية في مصر، وبنى عليه من خلفه من جيل النهضة المصرية أوائل القرن العشرين .