روضة العقلاء(2- الأحمق والجاهل)

 






صفة الأحمق والجاهل :

ترك صحبة الأحمق :

قال الامام ابن حبان : والواجب على العاقل ترك صحبة الأحمق ومجانبة معاشرة النوكى -أي الحمقى-كما يجب عَلَيْهِ لزوم صحبة العاقل الأريب وعشرة الفطن اللبيب لأن العاقل وإن لم يصبك الحظ من عقله أصابك من الاعتبار به والأحمق إن لم يعدك حمقه تدنست بعشرته،

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ مثل الْعَطَّارِ إِنْ لَمْ يُعْطِكَ شَيْئًا يُصِبْكَ مِنْ عِطْرِهِ وَمَثَلُ الْجَلِيسِ السُّوءِ مِثْلُ الْقَيْنِ إِنْ لَمْ يَحْرِقْ ثَوْبَكَ أَصَابَكَ مِنْ دُخَانِهِ".

قلت: (رواه أبو داود، وأبو يعلى، والحاكم، والضياء)
وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً ".

وعَنِ الأِصْمَعِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ بِلالٍ قَالَ: كَانَ فتى يعجب على ابن أبي طالب فَرَآهُ يَوْمًا وَهُوَ يُمَاشِي رَجُلا متهما فقال له

 ... لا تصحب الجاهل ... إياك وَإِيَّاهُ
فَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ أَرْدَى ... حَلِيمًا حِينَ آخَاهُ
يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ ... إِذَا مَا هُوَ مَاشَاهُ ...
وللشيء من الشَّيْءِ ... مَقَايِيسٌ وَأَشْبَاهُ
وَلِلْقَلْبِ عَلَى الْقَلْبِ ... دَلِيلٌ حِينَ يَلْقَاهُ

وقال ابن حبان :والعاقل يجب عَلَيْهِ مجانبة الحمقى فإنهم يجترئون على من عاشرهم، ألا ترى الزط ليسوا هم بأشجع الناس ولكنهم يجترئون على الأسد لكثرة مَا يرونها.
*الزط : قوم طوال القامة ذو بشرة سوداء يقال أن أصلهم من الهند أو السند .

وقيل : احذر الأحمق أن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق 

كلما رقعته من جانب ... حركته الريح وهنا فانخرق

علامات الأحمق :

وقال ابن حبان : من علامات الحمق التي يجب للعاقل تفقدها ممن خفى عَلَيْهِ أمره،
سرعة الجواب ،وترك التثبت، والإفراط في الضحك ،وكثرة الالتفات، والوقيعة في الأخيار، والاختلاط بالأشرار,
والأحمق إذا أعرضت عنه اغتم، وإن أقبلت عَلَيْهِ اغتر ، وإن حلمت عنه جهل عليك ،وإن جهلت عَلَيْهِ حلم عنك،
وإن أسأت إليه أحسن إليك ، وإن أحسنت إليه أساء إليك،
وإذا ظلمته انتصفت منه ،ويظلمك إذا أنصفته ،

 وما أشبه عشرة الحمقى إلا بما أنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي :
لي صديق يرى حقوقي عَلَيْهِ ... نافلات، وحقه كان فرضا
لو قطعت الجبال طولا إليه ... ثم من بعد طولها سرت عرضا
لرأى مَا صنعت غير كبير ... واشتهى ... واشتهى أن أزيد في الأرض أرضا

وعن سعيد ابن أَبِي أيوب قَالَ : لا تصاحب صاحب السوء فإنه قطعة من النار لا يستقيم وده ولا يفي بعهده.
قال ابن حبان :ومن شيم الأحمق: العجلة والخفة والعجز والفجور والجهل والمقت والوهن والمهابة والتعرض والتحاسد والظلم والخيانة والغفلة والسهو والغي والفحش والفخر والخيلاء والعدوان والبغضاء.

وإن من أعظم أمارات الحمق في الأحمق لسانه، فإنه يكون قلبه في طرف لسانه، مَا خطر على قلبه نطق به لسانه.

و الأحمق يتوهم أنه أعقل من ركب فيه الروح ،وأن الحمق قسم على العالم غيره، والأحمق مبغض في الناس مجهول في الدنيا غير مرضى العمل ولا محمود الأمر عند اللَّه وعند الصالحين ،كما أن العاقل محب إلى الناس مسود في الدنيا مرضى العمل عند اللَّه في الآخرة وعند الصالحين في الدنيا.
وقال :وإن من شيم العاقل الحلم والصمت والوقار والسكينة والوفاء والبذل والحكمة والعلم والورع والعدل والقوة والحزم والكياسة والتمييز والسمت والتواضع والعفو والإغضاء والتعفف والإحسان.

السكوت عن الأحمق :

عن الأعمش يقول : السكوت للأحمق جواب .

قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه: وإن من الحمقى من لا يصده عَن سلوكه السكوت عنه ولا يدفعه عَن دخول المكامن الإغضاء عنه ولا ينفعه،
فالعاقل إذا امتحن بعشرة من هذا نعته تكلف بعض التجاهل في الأحايين لأن بعض الحلم، إذعان ، كما أن استعماله في بعض الحالات قطب العقل،

ولقد أنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي :
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج
وما كنت أرضى الجهل خَدَناً ولا أخاً ... ولكنني أرضى به حين أحرج
فإن قَالَ بعض الناس فيه سماجة ... فقد صدقوا والذلّ بالحر أسمج ...