روضة العقلاء (4 " الصمت " من صفات العقلاء )

 





روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (الحلقة الرابعة )

مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ مَاتَ قَلْبُهُ :

عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : يَا أَحْنَفُ، مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ ، وَمَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ ،
وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ .

وعن الفضيل بْن عياض قال: شيئان يقسيان القلب: كثرة الكلام وكثرة الأكل.

مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليوم والآخر فيلقل خيرا أو لِيَصْمُتْ:

"حديث شريف أخرجه الشيخان البخاري ومسلم " .

الواجب على العاقل :

قال أَبُو حاتم البستي : الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده في حفظ اللسان حتى يستقيم له إذ اللسان هو المورد للمرء موارد العطب .
والصمت يكسب المحبة والوقار:
والرجوع من الصمت أحسن من الرجوع عَن الكلام ،والصمت منام العقل والمنطق يقظته.

عَنْ أَنَسٍ أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ إِنَّ مِنَ الْحِكَمِ الصَّمْتَ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ .
وعن مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: كُلُّ شَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِفَضْلِهِ إِلا الْكَلامَ فَإِنَّ فَضْلَهُ يَضُرُّ

وقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لا خَيْرَ فِي الْحَيَاةِ إِلا لأَحَدِ رَجُلَيْنِ: مُنْصِتٌ وَاعٍ أَوْ مُتَكَلِّمٌ عَالِمٌ.

قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل أن لا يغالب الناس على كلامهم ولا يعترض عليهم فيه لأن الكلام وإن كان في وقته حظوة جليلة فإن الصمت في وقته مرتبة عالية ومن جهل بالصمت عي بالمنطق والإنسان إما هو صورة ممثلة أو صالة مهملة لولا اللسان والله جل وعز رفع جارحة اللسان على سائر الجوارح فليس منها شيء أعظم أجرا منه إذا أطاع ولا أعظم ذنبا منه إذا جنى.

أول العبادة: الصمت ثم طلب العلم ثم العمل به ثم حفظه ثم نشره:

قاله سُفْيَان الثوري .

قَالَ الأحنف بْن قيس: الصمت أمان من تحريف اللفظ وعصمة من زيغ المنطق وسلامة من فضول القول وهيبة لصاحبه

قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل أن يلزم الصمت إلى أن يلزمه التكلم فما أكثر من ندم إذا نطق وأقل من يندم إذا سكت،

قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه الواجب على العاقل أن ينصف أذنيه من فيه ويعلم أنه إنما جعلت له أذنان وفم واحد ليسمع أكثر مما يقول لأنه إذا قَالَ ربما ندم وإن لم يقل لم يندم وهو على رد مَا لم يقل أقدر منه على رد مَا قَالَ والكلمة إذا تكلم بها ملكته وإن لم يتكلم بها ملكها والعجب ممن يتكلم بالكلمة إن هي رفعت ربما ضرته وإن لم ترفع لم تضره كيف لا يصمت ورب كلمة سلبت نعمة.

وأطول الناس شقاء وأعظمهم بلاء من ابتلى بلسان مطلق وفؤاء مطبق:

وقد ترك جماعة من أهل العلم حديث أقوام أكثروا الكلام فيما لا يليق بهم ، من ذلك ما حَدَّثَنَا أمية بْن خالد عَن سعيد قال قلت للحكم :
مالك لا تكتب عَن زاذان ؟
 قَالَ : كان كثير الكلام .

لسان العاقل وراء قلبه :

قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه لسان العاقل يكون وراء قلبه، فإذا أراد القول رجع إلى القلب فإن كان له قَالَ، وإلا فلا ،
والجاهل قلبه في طرف لسانه مَا أتى على لسانه تكلم به .

والعاقل لا يبتديء الكلام إلا أن يسأل ولا يقول إلا لمن يقبل " .
انتهى كلام ابن حبان .

قلت وفي الحديث الصحيح : قوله صلى الله عليه وسلم (إن الرجل ليتكلم بالكلمة- ما يتبين ما فيها- يهوي بها فى النار)


قال الشارح : معناه :لايتدبرها ويفكر فى قبحها ولايخاف ما يترتب عليها ، وهذا كالكلمة عند السلطان وغيره من الولاة وكالكلمة تقذف أو معناه كالكلمة التى يترتب عليها إضرار مسلم ونحو ذلك، وهذا كله حث على حفظ اللسان كما قال صلى الله عليه وسلم :من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ،
وينبغي لمن أراد النطق بكلمة أو كلام أن يتدبره في نفسه قبل نطقه فإن ظهرت مصلحته تكلم وإلا أمسك.