روضة العقلاء ونزهة الفضلاء(3-العِلْم والعُلماء)




 


الحث على لزوم العلم ومكانة العلماء :

يا أيها النّاس مَا لِعالِمُكُم ... في بَحْرِ مَاء المُلوك قدْ كرَعا..


مكانة طالب العلم :

قال ابن حبان : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ أَتَيْتُ صَفْوَانَ بن عسال المرادى فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟.
قُلْتُ: جِئْتُ أَنْبُطُ الْعِلْمَ.
قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَا مِنْ خَارِجٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يَطْلُبُ الْعِلْمَ إِلا وَضَعَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا بِمَا يَصْنَعُ".
(شرح : "أنبط " من الاستنْباط وهو الاستخراج)
قال أَبُو حاتم :الواجب على العاقل إذا فرغ من إصلاح سريرته أن يُثَنّي بطلب العلم والمداومة عَلَيْهِ إذ لا وصول للمرء إلى صفاء شيء من أسباب الدنيا إلا بصفاء العلم فيه وحكم العاقل أن لا يقصر في سلوك حالة توجب له بسط الملائكة أجنحتها رضا بصنيعه ذلك .

الحثّ على العِلْم :


تَعَلّمْ فليس المرء يُولد عالِماً ... وليس أَخُو عِلْمٍ كمَنْ هو جاهلُ
وإن كبير القوم لَا عِلْم عنْده ... صغيرٌ إذا التفت عَلَيْهِ المحافلُ
وعن وهيب بن منبه يقول : مَنْ تعلّم عِلْماً في حَقٍ وسُنّة ، لم يذهب اللَّه بعقله أبداً .

طالب العِلْم والسلاطين :

ولا يجب أن يكون متأملاً في سعيه الدنُوْ من السلاطين أو نَوال الدنيا به فما أقبح بالعالِم التذلل لأهل الدنيا.
عن الفضيل بْن عياض يقول: مَا أقبح بالعالِم يؤتى الى منزله ، فيقال أين العالم ؟ فيقال عند الأمير ،
أين العالم ؟ فيقال عند القاضي ،
مَا للعالم وما للقاضي، وما للعالم وما للأمير، ينبغي للعالِم أن يكون في مسجده يقرأ في مصحفه .

...ما طمعت نفس عابِدٌ فنَوَى ... سؤالَ قومٍ إلا لَهُمْ خَضَعا
يا أيها الناس مَا لعالِمكم ... في بَحْرِ مَاء المُلوك قد كرَعا
يا أيها الناس أنتم زرْع ... يحصده الموت كلما طلعا


صفة طالب العِلْم :

عن الشعبي قال :ياطلاب العلم لا تطلبوا العلم بسفاهة وطيش، اطلبوه بسكينة ووقار وتؤدة.
قَالَ الشعبي : إنما كان يطلب هذا ئئالعلم من اجتمعت فيه خصلتان العقل والنُّسُك ،
فإن كان عاقلا ولم يك ناسكا قِيلَ هذا أمر لا يناله إلا النّسّاك فلم يطلبه ،وإن كان ناسِكا ولم يكن عاقلا قِيلَ هذا أمر لا يناله إلا العقلاء فلم يطلبه،
قَالَ الشعبي، فلقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم مَنْ ليس فيه واحدة منهما، لا عقل ولا نسك.
(شرح النسك : العبادة والطاعة )

العلم لا يُقصد لذاته :

بل لنفعه ، لأن المبتغي من الأشياء كلها نفعها لا نَفْسُها، والعلم ونفس العلم شيئان، فمَنْ أغضى عَن نفعه لم ينتفع بنفسه وكان كالذي يأكل ولا يشبع ،والعلم له أول وآخر .
عن سُفْيَان : يقول أول العلم الإنصات ، ثم الاستماع ، ثم الحفظ، ثم العمل به، ثم النشر .

قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : لا تَكُونُ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ مُتَعَلِّمًا ، وَلا تَكُونُ بِالْعِلْمِ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ بِهِ عَامِلا.
العالِم اذا لم يكن عاملا :

قال أَبُو حاتم: العاقل لا يشتغل في طلب العلم إلا وقصده العمل به، لأن من سعى فيه لغير مَا وصفنا ازداد فخرا وتجبّرا، وللعمل تركاً وتضييعا،
فيكون فساده في المتأسّين به فيه أكثر من فساده في نفسه ويكون مَثَلُه كما قَالَ اللَّه تعالى:
"وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساء ما يزرون "

وعن الفضيل بْن عياض يقول: في جهنم أرحية تطحن العلماء طحنا، فقيل من هؤلاء ؟ قَالَ، قوم علموا فلم يعملوا .
(شرح : "أرحية" جمع رحا وهي حجر ثقيل يدور يطحن به )
عَن مالك بْن دينار قَالَ: إذا طلب الرجل العِلْم ليعمل به ،سَرّهُ عِلْمُه، وإذا طلب العلم لغير أن يعمل به ،زاده عِلْمُه فخرا.

العالِمُ طبيب الدين :

عَن سُفْيَان الثوري قَالَ :العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين ، فإذا اجتر الطبيب الداء إلى نفسه، فمتى يداوي غيره ؟
عن ابن المبارك أنه كان ببغداد فرأى إِسْمَاعِيل ابن علية راكبا بغله على باب السلطان ، فأنشأ يقول :
... يا جاعل الدين لَهُ بازياً* ... يصطاد أموال السلاطين
لا تَبِعْ الدين بدنيا كما ... يفعل ضُلّال الرهابين
احْتَلت للدنيا ولذّاتها ... بحيلة تذهب بالدين
وصرت مجنونا بها بعدما ... كنت دواء للمجانين
ففكر الناس جميعا بأن ... زلّ حمار العلْم في الطين

*البازي : الصقر الذي يُصَاد به . الرهابين : جمع راهب

العالِم ينشر العلم :

قال ابن حبّان : والعاقل إذا رُزِقَ من العِلْم الحظّ لا يبخل بالإفادة، لأن أول بركة العلِم الإفادة ،
وما رأيت أحدا قطّ بخِل بالعلم إلا لم ينتفع بعِلْمه، وكما لا ينتفع بالماء الساكن تحت الأرض مَا لم ينْبُع ، ولا بالذهب الأحمر مَا لم يُستخرج من معدنه ،
ولا باللؤلؤ النفيس مَا لم يخرج من بحْره ، كذلك لا ينتفع بالعلم ،مَا دام مكنونا لا يُنْشر ولا يُفَاد.