GuidePedia مجلة فكر الاسلام - دين وثقافة

0
salafeka.blogspot.com

 

مسجد الامام الأعظم . 

أبو حنيفة والمذهب الحنفي :

أبو حنيفة النعمان :

من هو أبو حنيفة ؟


قال ابن كثير في كتابه" البداية والنهاية " :
الإمام أبو حنيفة واسمه النعمان بن ثابت التيمي مولاهم الكوفي ، فقيه العراق، وأحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام، وأحد أركان العلماء،
وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتنوعة، وهو أقدمهم وفاة، لأنه أدرك عصر الصحابة، ورأى أنس بن مالك، قيل وغيره.

شيوخ أبي حنيفة :


روى عن: عطاء بن أبي رباح، وهو أكبر شيخ له، و الشعبي، وجبلة بن سحيم، وعدي بن ثابت وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعمرو بن دينار، وأبي سفيان طلحة بن نافع، ونافع مولى ابن عمر، وقتادة، وقيس بن مسلم، وعون بن عبد الله بن عتبة، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، ومحارب بن دثار، وعبد الله بن دينار، والحكم بن عتيبة، وعلقمة بن مرثد، وعلي بن الأقمر، وعبد العزيز بن رفيع، وعطية العوفي،
وحماد بن أبي سليمان - وبه تفقه – وزياد بن علاقة، وسلمة بن كهيل، وعاصم بن كليب، وسماك بن حرب، وعاصم بن بهدلة، وسعيد بن مسروق، وعبد الملك بن عمير، وأبي جعفر الباقر، وابن شهاب الزهري، ومحمد بن المنكدر، وأبي إسحاق السبيعي، ومنصور بن المعتمر، ومسلم البطين، ويزيد بن صهيب الفقير، وأبي الزبير، وأبي حصين الأسدي، وعطاء بن السائب، وناصح المحلمي، وهشام بن عروة، وخلق سواهم.
حتى إنه روى عن: شيبان النحوي - وهو أصغر منه - وعن: مالك بن أنس - وهو كذلك -.

الذين رووا عن أبي حنيفة :

جماعة منهم : ابنه حماد وإبراهيم بن طهمان، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأسد بن عمرو القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وحمزة الزيات، وداود الطائي، وزفر، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، ومحمد بن الحسن الشيباني، وهشيم، ووكيع، وأبو يوسف القاضي.

نشأة وحياة أبي حنيفة :

ولد عام 80 وتوفي 150 هـ (699 - 767 م) فتم له من العمر سبعون سنة، وصلي عليه ببغداد ست مرات لكثرة الزحام، وقبره هناك رحمه الله.
قيل: أصله من أبناء فارس. ولد ونشأ بالكوفة.
وكان يبيع الخز ويطلب العلم في صباه، ثم انقطع للتدريس والإفتاء.
نشأ ابو حنيفة في الكوفة وتربى بها وعاش فيها أكثر حياته .
شيخ أبي حنيفة في الفقه: حماد بن أبي سليمان صحبه عشر سنين وقيل ثمانية عشر سنة ثم مات حماد عام 120 هـ وابو حنيفة في الأربعين واخذ مكانه في الفتيا في مسجد الكوفة.

صفات أربعة في الامام أبو حنيفة كما ذكرها الشيخ أبي زهرة في كتابه :

1- كان ثري النفس لم يستول عليه الطمع الذي يفقر النفوس ، ولعل منشأ ذلك أنه نشأ في أسرة ذات يسار فلم يذق ذل الحاجة .
2- وكان عظيم الأمانة شديدا على نفسه في كل ما يتصل بها .
3- وكان سمحا قد وقاه الله شح نفسه .
4- كان بالغ التدين شديد التنسك عظيم العبادة يصوم النهار ويقوم الليل .
حتى كان غريبا بين التجار وحتى شبهه كثيرون في تجارته بأبي بكر الصديق رضي الله عنه .

أبو حنيفة والحكّام :

عاش أبو حنيفة اثنتين وخمسين سنة من حياته في الدولة الأموية ، وثماني عشرة في الدولة العباسية .
والدولتان مختلفتين في السياسة والتدين ورغم ذلك لم يساير واحدة منهما ونال منه الأذى من كلتا الدولتين .
وكان لا يرى لبني أمية حقا أو سلطانا من الشرع أو الدين ولكنه لا يحمل السيف ولا يثور .
موقف أبي حنيفة في مناصرته لخروج محمد بن عبد الله بن حسن على المنصور وقد اجاز مالك هذا الخروج .
وقد كان جعفر الصادق ذا صلة وثيقة بأبي حنيفة والذي كان تلميذا لعبد الله بن حسن أبو محمد النفس الزكية .

من حكايات أبي حنيفة مع الخليفة العباسي المنصور :

التحكيم بينه وبين زوجة المنصور : 

قصة أبو حنيفة مع خلاف المنصور مع زوجته " الحرة " ، فقال لها الخليفة : بمن ترضين في الحكومة بيني وبينك ؟
قالت : بأبي حنيفة .
فرضي به وأحضر أبي حنيفة وقال له: يا أبا حنيفة ، الحرة تخاصمني فأنصفني منها .
قال أبو حنيفة : ليتكلم أمير المؤمنين .
قال : يا أبا حنيفة ، كم يحل للرجل ان يتزوج من الناس فيجمع بينهن ؟
قال : أربع .
قال: وكم يحل له من الإماء ؟
قال : ما شاء ليس لهن عدد .
قال: وهل يجوز لأحد ان يقول خلاف ذلك ؟
قال: لا
فقال أبو جعفر: قد سمعت .
فقال أبو حنيفة : إنما أحل الله هذا لأهل العدل فمن لم يعدل أو خاف أن لايعدل فينبغي ألا يجاوز الواحدة ، قال تعالى" فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة "،
فينبغي أن نتأدب بأدب الله ونتعظ بمواعظه ،
فسكت أبو جعفر وطال سكوته ، فقام أبو حنيفة وخرج .
فلما بلغ منزله أرسلت إليه خادما ومعه مال وثياب وجارية وحمار مصري ،فردها ،
وقال للخادم : اقرئها سلامي ، وقل لها ، إنما ناضلت عن ديني وقمت ذلك المقام لله لم أرد بذلك تقربا الى أحد ولا التمست به دنيا ." .
(كتاب أبي زهرة )

الحكاية الثانية :

ذكرها ابن الأثير في كتابه " الكامل في التاريخ " :
" وعزم المنصور على إنفاذ الجيوش إلى الموصل والفتك بأهلها.
فأحضر أبا حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وقال لهم: إن أهل الموصل شرطوا إلي أنهم لا يخرجون علي، فإن فعلوا حلت دماؤهم وأموالهم، وقد خرجوا.
فسكت أبو حنيفة وتكلم الرجلان وقالا: رعيتك، فإن عفوت فأهل ذلك أنت، وإن عاقبت فبما يستحقون.
فقال لأبي حنيفة: أراك سكت يا شيخ؟
فقال: يا أمير المؤمنين، أباحوك ما لا يملكون، أرأيت لو أن امرأة أباحت فرجها بغير عقد نكاح وملك يمين، أكان يجوز أن توطأ ؟
قال: لا .
وكف عن أهل الموصل وأمر أبا حنيفة وصاحبيه بالعود إلى الكوفة " .

الحكاية الثالثة : رفضه لتولي القضاء : 

قَدْ أَرَادَ أَبَا حَنِيفَةَ أَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ وَالْمَظَالِمَ، فَلَمْ يُجِبْ، فَحَلَفَ الْمَنْصُورُ أَنَّهُ لَا يُقْلِعُ عَنْهُ أَوْ يَعْمَلُ لَهُ.
فَأَجَابَهُ إِلَى أَنْ يَنْظُرَ فِي عِمَارَةِ بَغْدَاذَ وَيَعُدَّ اللَّبِنَ وَالْآجُرَّ بِالْقَصَبِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ.
وذكرها ابن كثير حيث قال: وذكر عن الهيثم بْن عدي، أن المنصور عرض على أبي حنيفة القضاء والمظالم فامتنع، فحلف ألا يقلع عنه حتى يعمل .

ورع أبي حنيفة :

رغم نشاة ابو حنيفة في الكوفة وهي وسط الشيعة وائمتهم مثل زيد بن علي ومحمد الباقر وجعفر الصادق وعبد الله بن حسن ،
ففي الانتقاء ل ابن عبد البر :
قال سعيد بن أبي عروبة : قدمت الكوفة فحضرت مجلس أبي حنيفة فذكر يوما عثمان بن عفان فترحم عليه،
فقلت له : وأنت يرحمك الله فما سمعت أحدا في هذا البلد يترحم على عثمان بن عفان غيرك "

وعن أسد بن عمرو: أن أبا حنيفة -رحمه الله- صلى العشاء والصبح بوضوء أربعين سنة.

وروى: بشر بن الوليد، عن القاضي أبي يوسف، قال:
بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة، إذ سمعت رجلا يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل.
فقال أبو حنيفة: والله لا يتحدث عني بما لم أفعل، فكان يحيي الليل صلاة، وتضرعا، ودعاء.

وقد روي من وجهين: أن أبا حنيفة قرأ القرآن كله في ركعة.
إبراهيم بن سعيد الجوهري: عن المثنى بن رجاء، قال:
وقال أبو عاصم النبيل: كان أبو حنيفة يسمى الوتد؛ لكثرة صلاته.
وروى: ابن إسحاق السمرقندي، عن القاضي أبي يوسف، قال: كان أبو حنيفة يختم القرآن كل ليلة في ركعة.
يحيى بن عبد الحميد الحماني: عن أبيه: أنه صحب أبا حنيفة ستة أشهر.
قال: فما رأيته صلى الغداة إلا بوضوء عشاء الآخرة، وكان يختم كل ليلة عند السحر.
وعن زيد بن كميت، سمع رجلا يقول لأبي حنيفة: اتق الله.
فانتفض، واصفر، وأطرق، وقال: جزاك الله خيرا، ما أحوج الناس كل وقت إلى من يقول لهم مثل هذا.
ويروى: أن أبا حنيفة ختم القرآن سبعة آلاف مرة.
قال مسعر بن كدام: رأيت أبا حنيفة قرأ القرآن في ركعة.
ابن سماعة: عن محمد بن الحسن، عن القاسم بن معن:
وقد روي من غير وجه: أن الإمام أبا حنيفة ضرب غير مرة على أن يلي القضاء، فلم يجب.
وعن الحسن بن زياد اللؤلؤي، قال: قال أبو حنيفة: إذا ارتشى القاضي، فهو معزول، وإن لم يعزل.

وفي قصة ذكرها ابن حجر في كتابه " الخيرات الحسان " :

أن أبي حنيفة جاءته امراة بثوب من الحرير تبيعه له ، فقال : كم ثمنه ؟
قالت : مائة .
قال : هو خير من مائة ، بكم تقولين ؟
فزادت مائة ، مائة حتى قالت : أربعمائة .
فقال : هو خير من ذلك .
قالت. تهزأ بي .
قال: هاتي رجلا يقومه .
فجاءت برجل فاشتراه بخمسائة .

أبو حنيفة والفكر المستقل :

لا يخضع للعامة أو الخاصة . عميق الفكرة . لايقف على ظاهر العبارة .
وروى نوح الجامع، عن أبي حنيفة، أنه قال:
"ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة، اخترنا، وما كان من غير ذلك، فهم رجال ونحن رجال" .

أبو حنيفة المُناظر الداهية :

يروى ان أبا حنيفة دخل على الضحاك بن قيس أحد الخوارج على الأمويين وهو في مسجد بالكوفة
فقال لأبي حنيفة : تب .
فقال: مم أتوب ؟
قال : من تجويزك الحكمين .
فقال أبو حنيفة : أتقتلني او تناظرني ؟
فقال: بل أناظرك .
قال: فان اختلفنا في شيء مما تناظرنا فيه فمن بيني وبينك ؟
قال: اجعل أنت من شئت .
فقال أبو حنيفة لرجل من أصحاب الضحاك : اقعد فاحكم بيننا فيما نختلف فيه .
ثم قال للضحاك : أترضى بهذا بيني وبينك ؟
قال الضحاك : نعم .
قال أبو حنيفة : فأنت قد جوزت التحكيم .
فانقطع الخارجي .

الرد على من عاب أصل أبي حنيفة :

قلت : ومن التشنيع على أبي حنيفة التحدث على ان أصله فارسي ، فماذا يضيره ويضير علمه وفقه أن كان فارسيا ،
وهل يستطيع عالم أن تكون له الريادة والتبحر في القياس- وهو احد مصادر وأصول الفقه والشريعة الاسلامية- إلا اذا كان واعيا للغة العربية لغة القرآن الكريم ؟

وقد بارك الله له في ولده فكان ابنه حماد بن أبي حنيفة محدثا وأهل ورع وتولى ابن حماد قضاء البصرة .

ثناء الائمة على أبي حنيفة :

وعن محمد بن مزاحم، سمعت عبد الله بن المبارك يقول:
لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان، كنت كسائر الناس.

وعن محمد بن أيوب بن الضريس: حدثنا أحمد بن الصباح، سمعت الشافعي قال:
قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة ؟
قال: نعم، رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا، لقام بحجته.

وعن أبي معاوية الضرير، قال: حب أبي حنيفة من السّنة.

وروى: حيان بن موسى المروزي، قال:
سئل ابن المبارك: مالك أفقه، أو أبو حنيفة؟
قال: أبو حنيفة.

وقال الخريبي: ما يقع في أبي حنيفة إلا حاسد ، أو جاهل.

وقال يحيى بن سعيد القطان: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله.

وقال علي بن عاصم: لو وزن علم الإمام أبي حنيفة بعلم أهل زمانه، لرجح عليهم.

وقال حفص بن غياث: كلام أبي حنيفة في الفقه، أدق من الشعر، لا يعيبه إلا جاهل.

وروي عن الأعمش: أنه سئل عن مسألة، فقال:
إنما يحسن هذا النعمان بن ثابت الخزاز، وأظنه بورك له في علمه.

وقال جرير: قال لي مغيرة: جالس أبا حنيفة، تفقه، فإن إبراهيم النخعي لو كان حيا، لجالسه.

وقال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس.

وقال عبد الله بن داود الحريبي: ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبي حنيفة، لحفظه الفقه والسنن عليهم.

وقال سفيان الثوري وابن المبارك: كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه.

وقال أبو نعيم: كان صاحب غوص في المسائل.

وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل الأرض.

وروى الخطيب بسنده عن أسد بن عمرو أن أبا حنيفة كان يصلي بالليل ويقرأ القرآن في كل ليلة، ويبكي حتى يرحمه جيرانه.

ومكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء، وختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين ألف مرة.

وقال الحافظ الذهبي: الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه.
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل .

من الكتب المصنفة في مناقب أبي حنيفة :

- " الخيرات الحسان  في مناقب الامام الاعظم ابي حنيفة النعمان " : ل أحمد بن حجر الهيتمي الشافعي ت 974هـ .

"تبييض الصحيفة في مناقب الامام ابي حنيفة ": للامام السيوطي وهو شافعي (ت 911هـ) .-

-"مناقب الإمام أبي حنيفة " للموفق بْن أَحْمَد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ ( ت568 هـ) .


سمات أبي حنيفة :

وعن حماد بن أبي حنيفة، قال:
كان أبي جميلا، تعلوه سمرة، حسن الهيئة، كثير التعطر، هيوبا، لا يتكلم إلا جوابا، ولا يخوض -رحمه الله- فيما لا يعنيه.

وعن النضر بن محمد، قال:
كان أبو حنيفة جميل الوجه، سري الثوب، عطر الريح،

وعن أبي يوسف، قال: كان أبو حنيفة ربعة، من أحسن الناس صورة، وأبلغهم نطقا، وأعذبهم نغمة، وأبينهم عما في نفسه.

وعن ابن المبارك، قال: ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه، ولا أحسن سمتا وحلما من أبي حنيفة.

قال يزيد بن هارون: ما رأيت أحدا أحلم من أبي حنيفة.

فقه أبي حنيفة :

روى الموفق المكي : عن عبد الكريم بن هلال عن أبيه قال: سمعت أبا حنيفة يقول:
"إذا وجدت الأمر في كتاب الله تعالى أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخذت به، ولم أصرف عنه، وإذا اختلف الصحابة اخترت من قولهم، وإذا جاء من بعدهم أخذت وتركت.
كتب فقه أبي حنيفة وجمعه تلامذته الذين حرروا أصول المذهب الحنفي وفروعه،
مثل أبو يوسف يعقوب بن ابراهيم في كتب(الآثار) و(اختلاف بن أبي ليلى) و(الرد على سير الأوزاعي).
ومحمد بن أبي الحسن الشيباني في كتبه (الأصل) و (المبسوط) وغيرها .
فعلى سبيل المثال في كتاب "الآثار" ، باب الضوء :
حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
" الْوُضُوءُ مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ، وَالتَّكْبِيرُ تَحْرِيمُهَا، وَالتَّسْلِيمُ تَحْلِيلُهَا، وَفِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَسَلِّمْ، يَعْنِي التَّشَهُّدَ، وَلَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَعَهَا شَيْءٌ " .

وفي باب السهو :
حَدَّثَنَا يُوسُفُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:
" إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ رَأْيِهِ أَنَّهُ ثَلَاثٌ، فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا رَابِعَةً، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ رَأْيِهِ أَنَّهُ أَرْبَعٌ، فَلْيَنْصَرِفْ وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَيَتَشَهَّدْ وَيُسَلِّمْ ".

وفي باب غسل الميت :
حدث ثنا يُوسُفُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ قَالَ: " تُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَلَا يُغَسِّلُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ "
(شرح) حماد : هو حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة ، فقيه العراق، روى عن: أنس بن مالك.
وتفقه: بإبراهيم النخعي، وهو أنبل أصحابه وأفقههم، وأقيسهم، وأبصرهم بالمناظرة والرأي.
ابراهيم : هو إبراهيم النخعي، أبو عمران بن يزيد بن قيس، أحد الأعلام.
وقد دخل على أم المؤمنين عائشة وهو صبي، ولم يلبث له منها سماع، على أن روايته عنها في كتب أبي داود، والنسائي، والقزويني، فأهل الصنعة يعدون ذلك غير متصل مع عدهم كلهم لإبراهيم في التابعين، ولكنه ليس من كبارهم.
وكان بصيرا بعلم ابن مسعود، واسع الرواية، وكان مفتي أهل الكوفة هو والشعبي في زمانهما، وكان رجلا صالحا، فقيها، متوقيا، قليل التكلف وهو مختف من الحجاج.
قال يحيى بن معين: مراسيل إبراهيم أحب إلي من مراسيل الشعبي.

الكلام في حفظ أبي حنيفة للآثار

قال الذهبي في السير : "وعني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه، فإليه المنتهى، والناس عليه عيال في ذلك ".

وقال الذهبي : قال محمد بن سعد العوفي: سمعت يحيى بن معين يقول:
كان أبو حنيفة ثقة، لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدث بما لا يحفظ.

وقال صالح بن محمد: سمعت يحيى بن معين يقول: كان أبو حنيفة ثقة في الحديث.

وروى: أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز، عن ابن معين: كان أبو حنيفة لا بأس به.
وقال مرة: هو عندنا من أهل الصدق، ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء، فأبى أن يكون قاضي

قال الذهبي : الإمام أبا حنيفة طلب الحديث، وأكثر منه في سنة مائة وبعدها، ولم يكن إذ ذاك يسمع الحديث الصبيان، هذا اصطلاح وجد بعد ثلاث مائة سنة، بل كان يطلبه كبار العلماء، بل لم يكن للفقهاء علم بعد القرآن سواه، ولا كانت قد دونت كتب الفقه أصلا.

قالوا : وأما ما يؤثر عن النسائي، وابن عدي من تضعيفهم لأبي حنيفة من جهة حفظه، فهو مردود لا يعتد به، في جنب توثيق أئمة الجرح والتعديل من أمثال: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وشعبة وإسرائيل بن يونس، ويحيى بن آدم، وابن داود الخريبي، والحسن بن صالح، وغيرهم ، فهؤلاء كلهم معاصرون لأبي حنيفة أو قريبو العهد به ، وهم أعلم الناس به،
وأعلم من النسائي، وابن عدي ، وأمثالهما من المتأخرين عن أبي حنيفة بكثير، كالدارقطني الذي ولد بعد مئتي سنة من وفاة أبي حنيفة، فقول هؤلاء الأئمة الاقرب والاعلم، أحرى بالقبول، وقول المتأخر زمانا أجدر بالرمي في حضيض الخمول.

وفي كتاب " الخيرات الحسان " ص 34 ،قول شعبة بن الحجاج في أبي حنيفة: " كان والله حسن الفهم، جيد الحفظ " وهذا نص صريح في قوة حفظه، صادر عمن هو مشهود له بالامامة وبالتدين، والتشدد في نقد الرجال.
وبهذا القول يسقط كل ما ادعاه المتعصبون، والحاقدون، من متقدم ومتأخر، من ضعف حفظ هذا الامام العظيم.

وقلت : حسب أبو حنيفة أن يسمع منه الحافظ شيخ الاسلام عبد الله بن المبارك .

أصحاب الرأي ومذهب الرأي :

أطلق بعض الفقهاء -وتبعهم كثير من الناس- مصطلح أصحاب الرأي على الحنفية والمذهب الحنفي ، لما ألفوه من أصول ومصادر في الفقه والتشريع مثل : القياس والاستحسان .
وللتوضيح أقول :
البعض يستخدم هذا المصطلح بغرض التشنيع على الحنفية في مقابلة أصحاب الحديث ومذهب أهل الحديث ، ورميهم بأنهم لا يعملون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ،
وهذا تدليس مكروه ، فالحديث النبوي أحد مصادر الفقه والتشريع في المذهب الحنفي ، والحقيقة والتحقيق أن الحنفية لا يلتزمون ظاهر الحديث وانما يعنون بمعنى الحديث ومعنى النصوص الشرعية من كتاب وسنّة وفهمها لذلك قالوا بالقياس، واستنباط القواعد والأصول الشرعية والعمل بها .

ثم إنّ " القياس " هو أحد مصادر التشريع في المذاهب الثلاثة الأخرى "مالك والشافعي وأحمد" وهم أصحاب الحديث ،وليس القياس خاصا بالمذهب الحنفي ، فلعلهم قصدوا الاكثار من القياس في المذهب الحنفي ،
أو لأن الحنفية لايقبلون خبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يصطدم أو يناقض القياس .
قال وكيع: سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض القياس.

تعريف القياس :

هو ردّ الفرع الى الأصل أي ردّ مسألة إلى مسألة منصوص عليها، أو واقعة ليس لها دليل شرعي إلى واقعة لها دليل لاتفاقهما في العلّة فتأخذ حكمها .

أدلة وأمثلة من كتاب "المغني" لشيخ الحنابلة ابن قدامة المقدسي :

فصل: وليس في القهقهة وضوء.

 روي ذلك عن عروة وعطاء والزهري ومالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وقال أصحاب الرأي: يجب الوضوء من القهقهة داخل الصلاة دون خارجها. وروي ذلك عن الحسن والنخعي والثوري؛ لما روى أبو العالية " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي، فجاء ضرير فتردى في بئر فضحك طوائف فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين ضحكوا أن يعيدوا الوضوء والصلاة " .

فصل حكم اللبث في المسجد للجنب والحائض والنفساء:

ويباح العبور للحاجة، من أخذ شيء، أو تركه، أو كون الطريق فيه، فأما لغير ذلك فلا يجوز بحال. وممن نقلت عنه الرخصة في العبور: ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب وابن جبير والحسن ومالك والشافعي وقال الثوري وإسحاق لا يمر في المسجد إلا أن لا يجد بدا، فيتيمم.
وهو قول أصحاب الرأي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب ".
ولنا قول الله تعالى: (إلا عابري سبيل) ، والاستثناء من المنهي عنه إباحة. وعن عائشة، " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: إني حائض، قال إن حيضتك ليست في يدك " . رواه مسلم. وعن جابر قال: كنا نمر في المسجد ونحن جنب. رواه ابن المنذر.

مسألة (ازالة النجاسة بالماء ) :

قال ابن قدامة : ومنها أن الطهارة من النجاسة لا تحصل إلا بما يحصل به طهارة الحدث؛ لدخوله في عموم الطهارة، وبهذا قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وزفر ، وقال أبو حنيفة : يجوز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر مزيل للعين والأثر، كالخل، وماء الورد، ونحوهما.

مسألة (وكل إناء حلت فيه نجاسة؛ من ولوغ كلب، أو بول، أو غيره، فإنه يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب)

النجاسة تنقسم قسمين: أحدهما؛ نجاسة الكلب والخنزير والمتولد منهما، فهذا لا يختلف المذهب في أنه يجب غسلها سبعا، إحداهن بالتراب، وهو قول الشافعي.
وعن أحمد: أنه يجب غسلها ثمانيا، إحداهن بالتراب، وروي ذلك عن الحسن؛ لحديث عبد الله بن المغفل، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب.» رواه مسلم.
وقال أبو حنيفة: لا يجب العدد في شيء من النجاسات، وإنما يغسل حتى يغلب على الظن نقاؤه من النجاسة؛ لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الكلب يلغ في الإناء: «يغسل ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا» فلم يعين عددا؛ ولأنها نجاسة، فلم يجب فيها العدد، كما لو كانت على الأرض.

قلت: فأنت ترى أيها القارئ الكريم من عرضنا بعض المسائل الفقهية من كتاب ابن قدامة ، أن أبو حنيفة والحنفية وهم أصحاب الرأي يعتبرون بما روي عن النبي ويقولون به ، وقد يعملون الفكر في بعض النصوص الشرعية مثل قول أبو حنيفة في ازالة النجاسة بالمائع الطاهر وعدد الغسلات .
بل أنك تجد كثيرا في المسائل الفقية اتفاق قول أبو حنيفة مع الشافعي مقابل ابن حنبل ، أو مع ابن حنبل مقابل الشافعي .
فيتبين لك أن قول أصحاب الرأي في الفقه الاسلامي ليس مقابلا على الدوام أو في المطلق لنصوص الأحاديث النبوية أو قول أصحاب الحديث ،
وليس أوكد على ما قلته حين ترى اختلاف مذهب الشافعي عن مذهب ابن حنبل وعن مذهب مالك وهم من أصحاب الحديث وأئمته !!!!!!!!!!!!!!!!.

ذمّ الرأي :

الرأي في الدين لا يذمّ في المطلق وإنما يذمّ رأي الجاهل أو رأي صاحب الهوى والبدعة ،
وثَمَّ فرق كبير بين رأي الصبي، ورأي الكبير ، وبين رأي الجاهل، ورأي العالم ، وبين رأي الصحابي أو التابعي ،ورأي المتأخرين ،
وبين رأي العامة ، ورأي المشايخ .
أمّا الرأي الذي استند الى أدلة شرعية وأصول وقواعد مستنبطة من آيات الكتاب والسنة الصحيحة فنِعْمَ الرأي.
قال تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) والآية من أدلة حجية القياس .

مسائل مشهورة عند العامة :

قلت ومن المسائل التي تنقم منها العامة وفقهاء أهل الحديث في المذهب الحنفي :

1.مسألة اشعار الهدي في الحج :

قال صاحب المغني :
فصل : ويُسَنّ إشعار الإبل والبقر، وهو أن يشق صفحة سنامها الأيمن حتى يدميها، في قول عامة أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: "هذا مثلة غير جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تعذيب الحيوان، ولأنه إيلام، فهو كقطع عضو منه". 
وقال مالك: إن كانت البقرة ذات سنام، فلا بأس بإشعارها، وإلا فلا.
قال ابن قدامة : ولنا، ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: " فتلت قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أشعرها وقلدها " . متفق عليه

2. وجواز اعطاء قيمة صدقة الفطر ،قاله ابو حنيفة وسفيان الثوري .

عن ابن عمر رضي الله عنهما: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على كل حر، أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين".

وفاة أبي حنيفة :

قال إسحاق بن إبراهيم الزهري: عن بشر بن الوليد، قال:
طلب المنصور أبا حنيفة، فأراده على القضاء، وحلف ليلين، فأبى، وحلف: إني لا أفعل.
فقال الربيع الحاجب: ترى أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف؟
قال: أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر مني.
فأمر به إلى السجن، فمات فيه ببغداد.
توفي: شهيدا، مسقيا، في سنة خمسين ومائة، وله سبعون سنة، وعليه قبة عظيمة، ومشهد فاخر ببغداد - والله أعلم -.
...
المصادر ( البداية والنهاية لابن كثير /سير أعلام النبلاء للذهبي/ الأعلام للزركلي/ابو حنيفة، للشيخ أبو زهرة/ الخيرات الحسان )

إرسال تعليق

 
Top