القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار عاجلة[LastPost]

منزلة الورع في مدارج السالكين

الورع

 


منزلة الورع للسالك :

14- منزلة الورع هي احدى  منازل إياك نعبد وإياك نستعين.

عن النبي صلى الله عليه وسلم :
" يا أبا هريرة كن روعا تكن أعبد الناس " . رواه الترمذي .

 معنى الوَرَع في اللغة :

في اللسان : الْوَرَعُ فِي الأصْل: الكَفُّ عَنِ المَحارِم والتَّحَرُّج مِنْه.

و كُلّ شيئ كفَفْتَه فقد ورَّعْتَه.

قال عمر للسَّائِب: " وَرِّعْ عَنِّي في الدِّرْهَم والدِّرْهَمَيْن "،
 أَيْ كُفَّ عَنّي الخُصُومَ، بِأَنْ تَقْضِيَ بَيْنَهُم وتَنُوبَ عَنّي في ذلك.

يُقَال : وَرِعَ الرَّجُل يَرِعُ، بالكَسْر فِيهِمَا، وَرَعاً ورِعَةً، فهُو وَرِعٌ، وتَوَرَّعَ مِنْ كذا، ثم اسْتُعِير للكفّ عن المباح والحلال.

الورع يُطهّر نجاسة القلب " وثيابك فطهر ":

،كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته

قال الله تعالى: {ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} [المؤمنون: 51]
كما قال تعالى: {وثيابك فطهر} [المدثر: 4]
وفيه ثلاثة أقوال :
الأول : أي ونفسك فطهرها من الذنب ،قاله قتادة ومجاهد ،فكنى عن النفس بالثوب.
 وهو قول إبراهيم، النخعي والضحاك، والشعبي، والزهري، والمحققين من أهل التفسير.
 أما ابن عباس فقال: لا تلبسها على معصية ولا غدر،
 ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي:

"وإني  بحمد الله  لا ثوْب غادر لبَستُ ولا من غدرة أتقنع"

 والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: طاهر الثياب. وتقول للغادر والفاجر: دنس الثياب.
و القول الثاني :قال الضحاك: أي عملك فأصلح.
وقال السعدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب. وإذا كان فاجرا: إنه لخبيث الثياب.

والثالث : على ظاهر اللفظ، فقد  أمر الله تعالى بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها؛ لأن المشركين كانوا لا يتطهرون، ولا يطهرون ثيابهم.

الورع و علاقة الثياب بالقلوب :

ولا ريب أن تطهير الثياب  من النجاسات من جملة التطهير المأمور به، إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق، لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن. ولذلك أمر القائم بين يدي الله عز وجل بإزالتها والبعد عنها.

 وبين الثياب والقلوب مناسبة ظاهرة وباطنة ، ولذلك تدلّ ثياب المرْء في المنام على قلبه وحاله. ويؤثر كل منهما في الآخر.
 ولهذا نهى عن لباس الحرير والذهب، وجلود السباع، لما تؤثر في القلب من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع.
 وتأثير القلب والنفس في الثياب أمر خفي يعرفه أهل البصائر من نظافتها ودنسها ورائحتها، وبهجتها وكسفتها، حتى إن ثوب البَرّ ليعرف من ثوْب الفاجر، وليسا عليهما.

قول السلف في معنى الورع :

جمع النبي صلى الله عليه وسلم الورع كله في كلمة واحدة. فقال: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ".
 فهذا يعم الترك لما لا يعني من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة. فهذه الكلمة كافية شافية في الورع.

وقال إبراهيم بن أدهم: الورع ترك كل شبهة، وترك مالا يعنيك هو ترك الفضلات.
قال الشبلي: الورع أن يتورع عن كل ما سوى الله.
 وقال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد، كما أن القناعة أول الرضا.

وقال: الورع على وجهين: ورع في الظاهر، وورع في الباطن، فورع الظاهر أن لا يتحرك إلا لله، وورع الباطن هو أن لا تدخل قلبك سواه.
وقيل: الورع الخروج من الشهوات، وترك السيئات.

وقال يونس بن عبيد: الورع الخروج من كل شبهة، ومحاسبة النفس في كل طرفة عين .

قلت  : الورع هو التخوف من المعصية :

تعريف صاحب المنازل للورع :
" الورع توَقّ مستقصى على حذر، وتحرج على تعظيم ".

الورع هو توقي الحرام والشُّبه :

قال ابن القيم : يعني أن يتوقى الحرام والشبه، وما يخاف أن يضره أقصى ما يمكنه من التوقي؛ لأن التوقي والحذر متقاربان. إلا أن التوقي فعل الجوارح. والحذر فعل القلب. فقد يتوقى العبد الشيء لا على وجه الحذر والخوف، ولكن لأمور أخرى من إظهار نزاهة، وعزة وتصوف، أو اعتراض آخر، كتوقي الذين لا يؤمنون بمعاد، ولا جنة ولا نار ما يتوقونه من الفواحش والدناءة، تصونا عنها، ورغبة بنفوسهم عن مواقعتها، وطلبا للمحمدة، ونحو ذلك.

وقوله: " أو تحرج على تعظيم " يعني أن الباعث على الورع عن المحارم والشبه إما حذر حلول الوعيد، وإما تعظيم الرب جل جلاله، وإجلالا له أن يتعرض لما نهى عنه.

فالورع عن المعصية: إما تخوف، أو تعظيم. واكتفى بذكر التعظيم عن ذكر الحب الباعث على ترك معصية المحبوب؛ لأنه لا يكون إلا مع تعظيمه. وإلا فلو خلا القلب من تعظيمه لم تستلزم محبته ترك مخالفته؛ كمحبة الإنسان ولده وعبده وأمته، فإذا قارنه التعظيم أوجب ترك المخالفة.

قال: وهو آخر مقام الزهد للعامة، وأول مقام الزهد للمريد.

يعني أن هذا التوقي والتحرج - بوصف الحذر والتعظيم - هو نهاية لزهد العامة، وبداية لزهد المريد. وإنما كان كذلك لأن الورع - كما تقدم - هو أول الزهد وركنه، وزهد المريد فوق زهد العامة. ونهاية العامة هي بداية المريد. فنهاية مقام هذا هي بداية مقام هذا. فإذا انتهى ورع العامة صار زهدا. وهو أول ورع المريد.

وقال بعض السلف: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس.

وقال بعض الصحابة: كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام.

درجات الورع :

الدرجة الأولى في الورع: تجنب القبائح لصون النفس :

قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: تجنب القبائح لصون النفس. وتوفير الحسنات. وصيانة الإيمان.

هذه ثلاث فوائد من فوائد تجنب القبائح.

إحداها: صون النفس: وهو حفظها وحمايتها عما يشينها، ويعيبها ويزري بها عند الله عز وجل وملائكته، وعباده المؤمنين وسائر خلقه.

فإن من كرمت عليه نفسه وكبرت عنده صانها وحماها، وزكّاها وعلاها، ووضعها في أعلى المحال. وزاحم بها أهل العزائم والكمالات.

ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده ألقاها في الرذائل، وأطلق شناقها، وحل زمامها وأرخاه. ودساها ولم يصنها عن قبيح. فأقل ما في تجنب القبائح: صون النفس.

وأما توفير الحسنات فمن وجهين:

أحدهما: توفير زمانه على اكتساب الحسنات. فإذا اشتغل بالقبائح نقصت عليه الحسنات التي كان مستعدا لتحصيلها.

والثاني: توفير الحسنات المفعولة عن نقصانها بموازنة السيئات وحبوطها، كما تقدم في منزلة التوبة أن السيئات قد تحبط الحسنات، وقد تستغرقها بالكلية أو تنقصها. فلا بد أن تضعفها قطعا، فتجنبها يوفر ديوان الحسنات. وذلك بمنزلة من له مال حاصل. فإذا استدان عليه، فإما أن يستغرقه الدين أو يكثره أو ينقصه، فهكذا الحسنات والسيئات سواء.

وأما صيانة الإيمان فإن الإيمان عند جميع أهل السنة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

المعاصي تسود القلوب :

وإضعاف المعاصي للإيمان أمر معلوم بالذوق والوجود. فإن العبد  كما جاء في الحديث النبوي :
"إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء. فإن تاب واستغفر صقل قلبه. وإن عاد فأذنب نكت فيه نكتة أخرى، حتى تعلو قلبه. وذلك الران الذي قال الله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14] " .

 فالقبائح تُسوّد القلب، وتطفئ نوره. والإيمان هو نور في القلب. والقبائح تذهب به أو تقلله قطعا. فالحسنات تزيد نور القلب. والسيئات تطفئ نور القلب.

وقد أخبر الله عز وجل أن كسب القلوب سبب للران الذي يعلوها. وأخبر أنه أركس المنافقين بما كسبوا. فقال: {والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] .
وأخبر أن نقض الميثاق الذي أخذه على عباده سبب لتقسية القلب، فقال: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به} [المائدة: 13] . فجعل ذنب النقض موجبا لهذه الآثار من تقسية القلب، واللعنة، وتحريف الكلم، ونسيان العلم.

بواعث الورع :

وهذه الأمور الثلاثة : صون النفس، وتوفير الحسنات، وصيانة الإيمان ،
 هي أرفع من باعث العامة على الورع؛ لأن صاحبها أرفع همة، لأنه عامل على تزكية نفسه وصونها، وتأهيلها للوصول إلى ربها. فهو يصونها عما يشينها عنده. ويحجبها عنه. ويصون حسناته عما يسقطها ويضعها؛ لأنه يسير بها إلى ربه. ويطلب بها رضاه. ويصون إيمانه بربه من حبه له، وتوحيده، ومعرفته به، ومراقبته إياه عما يطفئ نوره. ويذهب بهجته، ويوهن قوته.

الدرجة الثانية في الورع : حفظ الحدود عند ما لا بأس به :

إبقاءً على الصيانة والتقوى ، وصعودا عن الدناءة، وتخلصاً عن اقتحام الحدود.

 فإنّ من صعد عن الدرجة الأولى إلى هذه الدرجة من الورع يترك كثيرا مما لا بأس به من المباح، إبقاء على صيانته، وخوفا عليها أن يتكدر صفوها، ويطفأ نورها.
 فإن كثيرا من المباح يُكدّر صفو الصيانة، ويذهب بهجتها، ويطفئ نورها، ويخلق حسنها وبهجتها.

حدود الله هي أواخر الحلال وأوائل الحرام :

فالعارف يترك كثيرا من المباح إبقاء على صيانته، ولا سيما إذا كان ذلك المباح برزخا بين الحلال والحرام، فإن بينهما برزخا - كما تقدم - فتركه لصاحب هذه الدرجة كالمتعين الذي لابد منه لمنافاته لدرجته.

 اقتحام الحدود:

التخلص من اقتحام الحدود التي هي النهايات، وهي مقاطع الحلال والحرام، فحيث ينقطع وينتهي، فذلك حده. فمن اقتحمه وقع في المعصية،
 وقد نهى الله تعالى عن تعدي حدوده وقربانه. فقال: {تلك حدود الله فلا تقربوها} [البقرة: 187] ،

وقال: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة: 229] ،
 فإن الحدود يراد بها أواخر الحلال، وحيث نهى عن القربان فالحدود هناك: أوائل الحرام.

يقول سبحانه: لا تتعدوا ما أبحت لكم، ولا تقربوا ما حرمت عليكم.

فالورع يخلص العبد من قربان هذه وتعدي هذه، وهو اقتحام الحدود.

الدرجة الثالثة التورع عن كل داعية تدعو إلى شتات الوقت:

والتعلق بالتفرق،عارض يعارض حال الجمع بالله .

والتعلق بالتفرق: كالفرق بين السبب والمسبب، والنفي والإثبات، فإنه يتشتت وقته، فلا يجد بدا من التعلق بما سوى مطلوبه الحق، إذ لا تعطيل في النفس ولا في الإرادة،
 فمن لم يكن الله مراده أراد ما سواه.

ومن لم يكن هو وحده معبوده عبد ما سواه، ومن لم يكن عمله لله فلا بد أن يعمل لغيره. وقد تقدم هذا.

فالمخلص يصونه الله بعبادته وحده، وإرادة وجهه وخشيته وحده، ورجائه وحده، والطلب منه، والذل له، والافتقار إليه وحده.

وإنما كان هذا أعلى من الدرجة الثانية: لأن أربابها اشتغلوا بحفظ الصيانة من الكدر وملاحظتها. وذلك عند أهل الدرجة الثالثة: تفرق عن الحق. واشتغال عن مراقبته بحال نفوسهم. فأدب أهل هذه أدب حضور، وأدب أولئك أدب غيبة.

الخوف يثمر الورع :

الخوف يثمر الورع والاستعانة وقصر الأمل.
 وقوة الإيمان باللقاء تثمر الزهد.

والمعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء.

 والقناعة تثمر الرضاء. والذكر يثمر حياة القلب.

والإيمان بالقدر يثمر التوكل.
 ودوام تأمل الأسماء والصفات يثمر المعرفة.
والورع يثمر الزهد أيضا.
 والتوبة تثمر المحبة أيضا، ودوام الذكر يثمرها.
والرضا يثمر الشكر. والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال والمقامات.

كيفية ملاك الورع :

أن تنقل قلبك من وطن الدنيا فتسكنه في وطن الآخرة،
ثم تقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها وتدبرها، وفهم ما يراد منه وما نزل لأجله،
وأخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته، وتنزلها على داء قلبك. أن تنقل قلبك من وطن الدنيا فتسكنه في وطن الآخرة،
ثم تقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها وتدبرها، وفهم ما يراد منه وما نزل لأجله،
وأخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته، وتنزلها على داء قلبك.
فهذه طريق مختصرة قريبة سهلة، موصلة إلى الرفيق الأعلى، آمنة لا يلحق سالكها خوف ولا عطب، ولا جوع ولا عطش، ولا فيها آفة من آفات سائر الطريق البتة. وعليها من الله حارس وحافظ يكلأ السالكين فيها ويحميهم، ويدفع عنهم.



تعليقات