العقيدة

عقبة بن نافع وفتوحات المغرب

 خريطة المغرب .  

فتوحات الاسلام وبلاد المغرب:


زحف الاستعراب والاسلام الى بلاد المغرب :

تعتبر سنة 680 ميلادية هي سنة دخول الإسلام إلى المغرب وذلك على يد عقبة بن نافع مع الفتوحات الاسلامية لشمال أفريقيا وكان عقبة قائدا عسكريا لدى الأمويين في دمشق .
وخلافا لأقاليم وبلدان المشرق التي فتحت في زمن قليل فقد استغرق فتح المغرب الأقصى  أكثر من نصف قرن من سنة 646 ميلادية الى 710
و بعد الانتهاء من فتح المغرب واعتناق جل المغاربة للإسلام ظهرت أول دولة منفصلة عن الخلافة بالمشرق بالمغرب هي دولة الأدارسة سنة 788 م على يد الشريف إدريس بن عبد الله احتضنته قبيلة آوربة الأمازيغية ودعمته حتى انشأ دولته، وفي عهد الأدارسة اعتنق جل الأمازيغ الإسلام.
ويعدّ المغرب -الذي صار الاسلام فيه هو الديانة الأكثر انتشارا فيه  فان ما يقارب من نسبة 98,7 % من سكان المغرب يدينون به-
هو السبب الرئيسي في نشر الإسلام بغرب ووسط أفريقيا
والمغاربة جاهدوا و حاربوا وقدموا خدمات جليلة للإسلام وقاموا بنشره في أوربا ، حيث أن الأندلس كانت تابعة لدولة المغرب لأكثر من ثمانية  قرون حتى سقطت في يد الصليبيين ولا زال المغرب يدفع ثمن دخوله لأوربا لحد الآن، وذلك باحتلال الصليبين لمدينتي سبتة ومليلية إنتقاما لدوره في انتشار الاسلام .

ملخص البداية والخاتمة للفتح :

بدأ الفتح الاسلامي لبلاد المغرب في عهد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ثم الدولة الأموية ضدَّ الامبراطورية البيزنطية ومن حالفها من قبائل البربر ، على مدى 66 سنة تقريبًا ،
وانتُزعت على إثرها ولايات شمال أفريقيا الروميَّة الباقية من يد البيزنطيين ودخلت في دولة الإسلام نهائيًّا.
ثم توقفت حركة الفتوح بعد مقتل الخليفة عثمان لانشغال المُسلمين في إخماد وتهدئة الفتن التي قامت بعد ذلك ولم تستمر الحركة والجهاد ضدَّ ما تبقَّى من مراكز القوى البيزنطيَّة في شمال أفريقيا إلَّا بعد قيام الدولة الأُمويَّة،
خاصة في عهد عبد الملك بن مروان ثم ابنه الوليد ، حتَّى سقطت كامل بلاد المغرب بِيد المُسلمين، وانسحبت منها آخر الحاميات الروميَّة، وأطاعت كافَّة قبائل البربر وانطوت تحت جناح الرَّاية الأُمويَّة.
أقبل البربر على اعتناق الإسلام مُنذُ السنوات الأولى للفتح الإسلامي،
 وانضمَّ الكثير منهم إلى الجُيوش الفاتحة وشاركوا العرب في الغزوات والمعارك، ضدَّ الروم وضدَّ بني قومهم الذين لم يدخلوا الاسلام بعد، واستمرَّ البربر يدخلون في الإسلام تباعًا مع تقدم الفُتوحات، حتَّى انتهى أكثرهم إلى قُبول الإسلام،
 وبقيت قلَّة صغيرة على المسيحية واليهودية والوثنية .

استعراب البربر: 

وقد أثَّرت الفُتوحات في المغرب على شبه الجزيرة ، إذ فرغت بعض القُرى والبلدات في الحجاز واليمن من أهلها بعد أن هاجروا كُلهم للجهاد واستقرَّوا في البلاد المفتوحة حديثًا ثُمَّ التحقت بهم عائلاتهم . ومع مُرور الزمن، ونتيجة التثاقف والاختلاط طويل الأمد، استعرب الكثير من البربر، وبالأخص سكنة المُدن منهم، واستمرَّ قسمٌ آخر وبالأخص سكنة الأرياف يحتفظون بهويَّتهم القوميَّة الخاصَّة.
وقد ظهرت عبر التاريخ الإسلامي للمغرب العديد من السُلالات الحاكمة البربريَّة التي حملت لواء الدفاع عن الإسلام والمُسلمين، مثل المرابطين والموحدين ،
 كما أصبح المغرب أحد مراكز الثقل الإسلامي في العالم.

بلاد المغرب 

 

كيف كانت بلاد المغرب قبل دخول الاسلام :

من ناحية الديانة :
كان المغرب تابعا للإمبراطوريَّة البيزنطيَّة وهو أكثر بلادها تنوعًا من حيثُ الدين، فكان قسمٌ من سكَّانه، وأغلبهم من البربر،وثنيين يعبدون عدداً من الآلهة أو عناصر الطبيعة، كالشمس والقمر والنار والأنهار و الأصنام ، كما أظهروا تأثرًا ببعض المعتقدات المصرية القديمة ، فكانوا يُقدسون بعض الحيوانات، ويؤمنون بالشعوذة والسحر، كما اعتقدوا في بركة بعض الأشخاص.
وإلى جانب تلك المُعتقدات الوثنية عرف المغرب الديانتين السماويتين السابقتين على الإسلام. فاليهودية دخلت مُنذ وقتٍ مُبكرٍ مع الفينيقين ثُمَّ مع المُهاجرين اليهود أيَّام الاضطهاد الروماني.
و المسيحيَّة، فقد أخذت بالانتشار أولًا بين الأفارقة في برقة وطرابُلس وإفريقية ابتداءً من القرن الثاني الميلادي، وكان أوَّل أقاليم المغرب دُخولًا في المسيحيَّة إقليمُ برقة، وكان للمسيحيَّة فيها تاريخٌ طويل هو جُزءٌ من تاريخ المسيحيَّة في مصر، ثُمَّ انتشرت في إفريقية، وأصبحت هذه الأخيرة من مراكزها الرئيسيَّة، وقامت فيها الكنائس وامتدَّت بِصُورةٍ سطحيَّةٍ على طول الشريط الساحلي في المغربين الأوسط والأقصى حتَّى طنجة.

ناحية الأوضاع السياسيَّة :
كانت مُضطربة نتيجة القلاقل والحُروب التي نشبت على الأراضي المغربيَّة بين القبائل الجرمانية النازحة من قارة أوربا، والبيزنطيين، وبين البيزنطيين والأهالي أنفسهم.
وظل شمال أفريقيا المغاربيَّة يشكل جزءا من الامبراطورية الرومانية منذ سنة 146 ق.م ، عندما تمكَّن الرومان من اسقاط مدينة قرطاج ، واستمرَّت المغرب خاضعةً للرُومان حتَّى سنة 435م تقريبًا،
حيث أخذت أحلاف القبائل الجرمانيَّة تتحرَّك من شمال أوروپَّا ووسطها حتى تمكنت في النهاية من اقتحام أراضي الإمبراطوريَّة واحتلالها وتقاسُمها.
وفي أثناء هذا التحرُّك الواسع اندفع حلف قبائل الوندال من الشمال إلى وسط أوروپَّا، وفي سنة 429م عبر الوندال إلى المغرب بِقيادة ملكهم كنسريك ولم يحتلوا المغرب كله و اقتصرت سيطرتهم على شمال ولاية افريقية وسواحل المغرب الأوسط ومنطة طنجة وقد أقاموا فيها تلك المناطق حوالي القرن من الزمن محوا في أثنائه مُعظم آثار الرومان وحضارتهم في البلاد، وأدَّى هذا الاستقلال السياسي عن روما إلى تعاظم نُفوذ قبائل البربر خُصوصًا في المغربين الأوسط والأقصى، فكوَّن السُكَّانُ مجموعاتٍ مُبعثرةٍ انعدمت بينها الوحدة السياسيَّة.
وعندما تولَّى عرش الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة القيصر جستنيان الأول 527-565 م أطلق حملةً لاستعادة كافَّة الأراضي الغربيَّة للإمبراطوريَّة الرومانيَّة السابقة، وفي مُقدمتها إفريقية والمغربين الأوسط والأقصى.
وفي السنوات القليلة التي سبقت الفتح الإسلامي، عيّن قيصر الروم الإمبراطو موريس أحد قادته العسكريين، ويُدعى هرقل، قائدًا أعلى على المغرب، سنة 600 ثم أعلن هرقل العصيان حتى توج امبراطورا .
و شهد المغرب في أيَّام الإمبراطور هرقل عصرًا من السَّلام لم يعرفه الأهالي من قبل، وتمتع البربر وهم الأكثرية في المنطقة بالكثير من الحُريَّة والاطمئنان، وعادت المسيحيَّة تتسرَّب إليهم.
وفي أواخر عهد هرقل عادت الاضطرابات لتنتشر في المغرب، من واقع مُحاولة الحُكومة البيزنطيَّة فرض مذهبها على كافَّة أطياف الشعب، فأخذ البربر والأفارقة يلتفون حول بطاركتهم للدفاع عن عقيدتهم ضدَّ الإمبراطوريَّة.
، وانتهى الأمر بأن نهض أحد القادة والقساوسة يُسمَّى جرجيرالذي استقلَّ عن الحكومة البيزنطية وضرب العملات باسمه واتخذ من قرطاج عاصمةً له.


مراحل فتح المغرب 

مصر بوابة الزحف للمغرب 👈


مصر بوابة الزحف للمغرب :

بداية عمرو بن العاص سنة 21 هـ:
أتمَّ المُسلمون بِقيادة الصحابي عمرو بن العاص فتح مصر سنة 21 هـ الموافق سنة 642 م .
انسحب الروم من مدينة الاسكندرية شمالًا. ثم أنَّ عمرو تطلَّع نحو الغرب بعد ذلك لِتأمين حُدود مصر من الخطر البيزنطي القائم في ولاية إفريقية، لا سيَّما وأنَّ برقة وطرابُلس تُعتبران امتدادًا طبيعيًّا لِمصر، الأمر الذي شجَّع عمرو بن العاص على تنفيذ سياسته الرامية إلى الزحف غربًا

عثمان بن عفان وغزو افريقية سنة 27 هـ :

ثم إن عبد الله بن سعد لما ولي أرسل إلى عثمان في غزو إفريقية، والاستكثار من الجموع عليها وفتحها، فاستشار عثمان من عنده من الصحابة، فأشار أكثرهم بذلك، فجهز إليه العساكر من المدينة، وفيهم جماعة من أعيان الصحابة، منهم عبد الله بن عباس وغيره، فسار بهم عبد الله بن سعد إلى إفريقية.
فلما وصلوا إلى برقة لقيهم عقبة بن نافع فيمن معه من المسلمين، وكانوا بها، وساروا إلى طرابلس الغرب فنهبوا من عندها من الروم.
وسار نحو إفريقية وبث السرايا في كل ناحية، وكان ملكهم اسمه جرجير، وملكه من طرابلس إلى طنجة، وكان هرقل ملك الروم قد ولاه إفريقية، فهو يحمل إليه الخراج كل سنة. فلما بلغه خبر المسلمين تجهز وجمع العساكر وأهل البلاد، فبلغ عسكره مائة ألف وعشرين ألف فارس، والتقى هو والمسلمون بمكان بينه وبين مدينة سبيطلة يوم وليلة، وهذه المدينة كانت ذلك الوقت دار الملك، فأقاموا هناك يقتتلون كل يوم، وراسله عبد الله بن سعد يدعوه إلى الإسلام أو الجزية، فامتنع منهما وتكبر عن قبول أحدهما.
ثم ان عبد الله بن الزبير من كان مستريحا من شجعان المسلمين، وقصد الروم، فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم، وحملوا حملة رجل واحد وكبروا، فلم يتمكن الروم من لبس سلاحهم، حتى غشيهم المسلمون وقتل جرجير، قتله ابن الزبير، وانهزم الروم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأخذت ابنة الملك جرجير سبية. ونازل عبد الله بن سعد المدينة، فحصرها حتى فتحها، ورأى فيها من الأموال ما لم يكن في غيرها، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ألف دينار.
ولما فتح عبد الله مدينة سبيطلة بث جيوشه في البلاد فبلغت قفصة، فسبوا وغنموا، وسير عسكرا إلى حصن الأجم، وقد احتمى به أهل تلك البلاد، فحصره وفتحه بالأمان، فصالحه أهل إفريقية على ألفي ألف وخمسمائة ألف دينار، ونفل عبد الله بن الزبير ابنة الملك، وأرسله إلى عثمان بالبشارة بفتح إفريقية.

ولاية عقبة بن نافع إفريقية وبناء مدينة القيروان:

في سنة 41 هـ  استعمل عمرو بن العاص، عقبة بن نافع (1 - 63 هـ ) ،(621 - 683 م)
وهو ابن خالة عمرو ، على إفريقية، فانتهى إلى لواتة ومزاتة، فأطاعوا ثم كفروا، فغزاهم من سنته، فقتل وسبى،
ثم افتتح في سنة اثنتين وأربعين غدامس، فقتل وسبى، وفتح في سنة ثلاث وأربعين كورا من كور السودان، وافتتح ودان، وهي من برقة،
وافتتح عامة بلاد بربر، وهو الذي اختط القيروان سنة خمسين (50 هــ).
قال ابن الأثير في الكامل :
قد ذكر أهل التاريخ من المغاربة: أن ولاية عقبة بن نافع إفريقية كانت هذه السنة وبنى القيروان، ثم بقي إلى سنة خمس وخمسين ثم وليها مسلمة بن مخلد:
حيث أن معاوية بن أبي سفيان عزل معاوية بن حديج عن إفريقية ، واستعمل عليها عقبة بن نافع الفهري، وكان مقيما ببرقة وزويلة مذ فتحها أيام عمرو بن العاص، وله في تلك البلاد جهاد وفتوح،
فلما استعمله معاوية سير إليه عشرة آلاف فارس، فدخل إفريقية وانضاف إليه من أسلم من البربر، فكثر جمعه، ووضع السيف في أهل البلاد لأنهم كانوا إذا دخل إليهم أمير أطاعوا وأظهر بعضهم الإسلام، فإذا عاد الأمير عنهم نكثوا وارتد من أسلم، ثم رأى أن يتخذ مدينة يكون فيها عسكر المسلمين وأموالهم ليأمنوا من ثورة تكون من أهل البلاد، فقصد موضع القيروان، وكان أجمة مشتبكة بها من أنواع الحيوان (من السباع) والحيات وغير ذلك، فدعا الله، وكان مستجاب الدعوة، ثم نادى: أيتها الحيات والسباع إنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ارحلوا عنا فإنا نازلون ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه.
فنظر الناس ذلك اليوم إلى الدواب تحمل أولادها وتنتقل، فرآه قبيل كثير من البربر فأسلموا،
وقطع عقبة الأشجار وأمر ببناء المدينة، فبنيت، وبنى المسجد الجامع، وبنى الناس مساجدهم ومساكنهم، وكان دورها ثلاثة آلاف باع وستمائة باع،
وتم أمرها سنة خمس وخمسين (55 هـ) وسكنها الناس، وكان في أثناء عمارة المدينة يغزو ويرسل السرايا، فتغير وتنهب، ودخل كثير من البربر في الإسلام، واتسعت خطة المسلمين وقوي جنان من هناك من الجنود بمدينة القيروان وأمنوا واطمأنوا على المقام فثبت الإسلام فيها.

وفاة معاوية وتولية ابنه يزيد :

ثم إن معاوية بن أبي سفيان استعمل على مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد الأنصاري، فاستعمل مسلمة على إفريقية مولى له يقال له أبو المهاجر، فقدم إفريقية وأساء عزل عقبة واستخف به،
وسار عقبة إلى الشام وعاتب معاوية على ما فعله به أبو المهاجر، فاعتذر إليه ووعده بإعادته إلى عمله.
وحين توفي معاوية وتولى بعده ابنه يزيد، استعمل عقبة بن نافع على البلاد سنة اثنتين وستين،(62 هـ) فسار إليها.
ثم سار في عسكر عظيم حتى دخل مدينة باغاية، وقد اجتمع بها خلق كثير من الروم، فقاتلوه قتالا شديدا وانهزموا عنه وقتل فيهم قتلا ذريعا وغنم منهم غنائم كثيرة، ودخل المنهزمون المدينة وحاصرهم عقبة.
ثم كره المقام عليهم فسار إلى بلاد الزاب، وهي بلاد واسعة فيها عدة مدن وقرى كثيرة، فقصد مدينتها العظمى واسمها أربة، فامتنع بها من هناك من الروم والنصارى، وهرب بعضهم إلى الجبال، فاقتتل المسلمون ومن بالمدينة من النصارى عدة دفعات ثم انهزم النصارى وقتل كثير من فرسانهم، (ورحل إلى تاهرت) .
فلما بلغ الروم خبره استعانوا بالبربر فأجابوهم ونصروهم، فاجتمعوا في جمع كثير والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، واشتد الأمر على المسلمين لكثرة العدو، ثم إن الله تعالى نصرهم فانهزمت الروم والبربر وأخذهم السيف وكثر فيهم القتل وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم.

فتح عقبة الجريد والزَّاب :

بعد أن أمن عقبة بن نافع على استقرار الأوضاع في القيروان، رأى أن يُبِّت فُتوح المُسلمين في إفريقية مرَّة واحدة، فجهَّز جيشًا يقرب عدده من 14 ألف جندي واستخلف زُهيْر بن قيس البلوي على القيروان، وخرج للغزو.
زحف عقبة إلى الجريد أولًا (جنوبي غرب تُونُس المُعاصرة)، وفتحها فتحًا ثانيًا، كما فتح حصن لميس ومدينة باغانة حيثُ دار قتالٌ عنيفٌ مع الروم انتهى بانتصار المُسلمين وحُصولهم على الكثير من الغنائم العسكريَّة. كذلك، صالح عقبة ، أهل فَزّان ، وتابع تقدمه غربًا نحو الزَّاب واصطدم مع الروم في وادي المسيلة وهزمهم، وتقدَّم نحو تاهرت فهزم جموع البربر من زناتة زمكناسة وهوارة وغيرها.
ولمَّا اقترب من المدينة استغاث البربر بالروم الذين أسرعوا لِنجدنهم لأنهم وجدوا الفُرصة سانحة للانتقام من المُسلمين وتجديد التحالف مع البربر.
لمَّا رأى عقبة كثرة العدوّ وقف خطيبًا في صُفوف الجيش، فحمد الله وقال: " أيُّهَا النَّاس. إنَّ أَشرَافَكُم وَخِيَارَكُم الَّذين رَضِيَ الله عنهم وَأَنزَلَ فِيهُمُ كِتَابَهُ بَايَعُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَيْعَةَ الرِّضوَانِ عَلَى مَن كَفَرَ باللهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ وَهُم أَشْرَافَكُم بَاعُوا أَنفُسَهُم مِن رَبِّ العَالَمِين بِجَنَّتِهِ بَيْعَةً رَابِحَة... وَأَنتُمُ اليَومَ فِي دَارِ غُربَة... فَالقُوا أَعدَاءَكُم بِقُلُوبٍ صَادِقَةٍ... فَقَاتِلُوا عَدُوِّكُم عَلَى بَرَكَةِ اللهِ وَعَوْنِهِ واللهُ لَا يَرُدُّ بَأسَهُ عَنِ القَوْمِ المُجرِمِين.".
واشتبك المُسلمون والروم في معركةٍ حامية الوطيس انتهت بانهزام الروم وانكسارهم، وحاول هؤلاء الانسحاب مع حُلفائهم من البربر والفرنجة إلى داخل تاهرت، فقطع عليهم المُسلمون الطريق إلى باب المدينة وقتلوا كثيرًا منهم وغنموا أموالهم وسلاحهم بهذا تمَّ القضاء على مُقاومة الروم في المغرب الأوسط، وذهب عزَّهم من الزَّاب إلى الأبد.

فتح طنجة على يد عقبة  (62 هـ) :

بعد انتصاره في تاهرت تقدم عقبة بن نافع إلى المغرب القصى قاصدًا مدينة طنجة . لكنَّ أبا المُهاجر نصحهُ بِعدم مُهاجمة البربر هُناك وخاصَّةً قبيلة أوربة البرانسيَّة التي يتزعمها كُسيلة لأنها أسلمت بِإسلام سيدها، ولم تعد هُناك حاجة إلى مُقاتلتها لأنها اعتنقت الدين الإسلامي ونصحهُ بأن يُرسل مع زعيمها كُسيلة واليًا مُتفقهًا بالإسلام لِتعليمهم أُصول الدين. لكنَّ عقبة رفض النصيحة لِغايةٍ في نفسه وحقدًا على أبي المُهاجر.
ثم سار عقبة حتى نزل على طنجة فلقيه بطريق من الروم اسمه يليان فأهدى له هدية حسنة ونزل على حكمه، ثم سأله عن الأندلس فعظم الأمر عليه، فسأله عن البربر، فقال: هم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله، وهم بالسوس الأدنى، وهم كفار لم يدخلوا في النصرانية ولهم بأس شديد.
فسار عقبة إليهم نحو السوس الأدنى، وهي مغرب طنجة، فانتهى إلى أوائل البربر، فلقوه في جمع كثير، فقتل فيهم قتلا ذريعا وبعث خيله في كل مكان هربوا إليه، وسار هو حتى وصل إلى السوس الأقصى، وقد اجتمع له البربر في عالم لا يحصى، فلقيهم وقاتلهم وهزمهم، وقتل المسلمون فيهم حتى ملوا وغنموا منهم وسبوا سبيا كثيرا، وسار حتى بلغ ماليان ورأى البحر المحيط،
فقال: يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدا في سبيلك.
ثم عاد فنفر الروم والبربر عن طريقه خوفا منه، واجتاز بمكان يعرف اليوم بماء الفرس فنزله، ولم يكن به ماء، فلحق الناس عطش كثير أشرفوا منه على الهلاك، فصلى عقبة ركعتين ودعا (فبحث فرس له الأرض بيديه فكشف له عن صفاة) فانفجر الماء، فنادى عقبة في الناس فحفروا أحساء كثيرة وشربوا، فسمي ماء الفرس.
في هذه المعارك قُتل الكثير من البربر وخاصَّةً بربر أوربة، فكان ذلك عاملًا مُهمًا دفع كُسيلة إلى الفرار من الجيش مُترصدًا عقبة حتَّى يعود إلى الشرق من غزوته لِيثأر منهُ لِنفسه ولِلبربر، وأخذ يُعدُّ جيشًا بربريًّا بالاتفاق والتنسيق مع الروم للتصدي لِعقبة.
كان حاكم طنجة المدعو " يُليان " وقد ذهب بعضُ المُحدثين من الإسپان والمغاربة إلى أنه بربريّ، ، وأنَّ من ولَّاه على المنطقة المُمتدَّة من طنجة إلى سبتة كان القوط كونه كان على المسيحيَّة. وكان يُليان هذا سياسيًّا حاذقًا، ويبدو أنَّهُ كان ناقمًا على القوط والروم معًا لِما أنزلوه بالمغرب من التنازع والشقاء، وبنفس الوقت كان يعمل جاهدًا على الاستقلال بِإمارته الطنجيَّة، لِذلك انتهج سياسة المُدارة وحُسن الجوار مع مع جيرانه القوط في الشمال عبر الزقاق ، والبربر في دواخل طنجة. وعندما وصل المُسلمون إلى أحواز إمارته، سارع يُليان لِمُقابلة عقبة وقدَّم إليه الهدايا طالبًا المُهادنة، وعقد معهُ مُعاهدة صُلح، وأرشده إلى مواطن الضعف عند البربر ووجهه نحوهم. وبذلك يكون ضمن إمارته الصغيرة في شمال المغرب، وتجنَّب الصدام مع المُسلمين إلى حين.
ورأى عقبة أن يستفيد من خبرات هذا الرجل، فقبل أن يُبقيه أميرًا على بلاده، وتابع زحفه غربًا.

مقتل عقبة و أبي المُهَاجِر ( 63 هـ) :

عقبة بن نافع بن عبد القيس الأموي القرشي الفهري ،

قال عنه الذهبي والزركلي :
كان ذا شجاعة، وحزم، وديانة، ولد في حياة النبي و لم يصح له صحبة ، حكى عنه ابنه؛ الأمير أبو عبيدة ،
وعن مفضل بن فضالة، قال: كان عقبة بن نافع مجاب الدعوة.
قال ابن يونس: قتل سنة ثلاث وستين .

أبو المهاجر : اسمه دينار :(63 هـ - 682 م) 

من قادة الفاتحين ، كان مولى لبني مخزوم. ولما ولي مسلمة بن مخلد مصر وإفريقية، استعمله على إفريقية، بدلا من عقبة بن نافع، فدخلها سنة 55 هـ ونزل بقرب القيروان، ووجه جيشا افتتح به جزيرة شريك (وعرف بعد ذلك بالجزيرة القبلية) وقاتله كسيلة البربري بقرب تلمسان، فظفر أبو المهاجر.
وأظهر كُسيلة الإسلام، فاستبقاه واستخلصه. وإليه تنسب (عيون أبي المهاجر) القريبة من تلمسان. وهو أول أمير للمسلمين وطئت خيله المغرب الأوسط. وعزله يزيد بن معاوية سنة 62هـ وأعاد عقبة بن نافع، فلما وصل إليها احتفظ ب أبي المهاجر، فكان معه في معركة (تهودة) بأرض الزاب، وقد انتقض كسيلة وفاجأ عقبة بجمع من الفرنج، فاستشهد عقبة ومن معه جميعا وكانوا زهاء ثلاثمائة من كبار الصحابة والتابعين، وبينهم أبو المهاجر وقد أبلى في ذلك اليوم بلاءاً حسنا.
عندما وصل عقبة إلى بلاد جزولة في السوس الأقصى، واتصل بقبائلها فأسلمت. قرَّر عقبة العودة إلى القيروان، فسار وهو يعمل على نشر الإسلام في المغارب البعيدة، فاستمعت له الكثير من القبائل ودخلت في الإسلام، وانضمَّ بعضُ رجالها إلى الجيش الإسلامي.
ثم صرف عقبة جُلّ عساكره إلى القيروان حتى بقي في قلَّةٍ من جُنده، يُقدَّر عددهم بِحوالي 300 رجل فقط مُعظمهم من الصحابة والتابعين . فكانت تلك الفُرصة الثمينة التي ينتظرها كُسيلة للثأر من المُسلمين، فاتصل بالروم والفرنجة وحشد منهم ومن قبائل البربر غير المُسلمة جيشًا قوامه خمسون ألف مُقاتلٍ تقريبًا، واعترض عقبة ومن معهُ عند تهودة في الزَّاب جنوب جبال الأوراس. فلمَّا رأى عقبة جيش العدو أيقن بالنهاية، فأخلى سبيل أبي المُهاجر وطلب منهُ الانصراف إلى المشرق، وكذلك من المُسلمين الذين يرغبون في العودة، وصمم هو على أن يُقتل في سبيل الله.
لكنَّ أبا المُهاجر رفض وأفراد الجيش، بل أنَّ أبو المُهاجر رفض أن تُفكَّ قُيوده كي لا يُغرى بالانسحاب، ونزل هو والجُنود عن خُيولهم وكسروا أغماد سُيوفهم كي لا تُعاد فيها وسُرعان ما اشتبك عقبة ورجاله مع جيش كُسيلة في معركةٍ غير مُتكافئة، فقُتل عقبة وأبو المُهاجر وأغلب الجيش، ووقع في الأسر قلَّة منهم مُحمَّد بن أوس الأنصاري

كُسيلة أمير المغرب : 

بعد مقتل عقبة استولى كسيلة على امارة المغرب وتربع في قصر الامارة بعدئذٍ ، وصار حاكمًا على خليطٍ سُكَّانيٍّ جديدٍ من العرب والبربر.

قال ابن الأثير : وأما كسيلة فاجتمع إليه جميع أهل إفريقية، وقصد إفريقية، وبها أصحاب الأنفال والذراري من المسلمين، فطلبوا الأمان من كسيلة فآمنهم ودخل القيروان واستولى على إفريقية وأقام بها .

ولاية زهير بن قيس إفريقية وقتل كُسيلة (69 هـ)  :

لما ولي عبد الملك بن مروان الخلافة وقوي أمره، ذكر عنده من بالقيروان من المسلمين، وأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش إلى إفريقية لاستنقاذهم، فكتب إلى زهير بن قيس البلوي بولاية إفريقية وجهز له جيشا كثيرا، فسار سنة تسع وستين إلى إفريقية.
فبلغ خبره إلى كسيلة، فاحتفل وجمع وحشد البربر والروم وأحضر أشراف أصحابه وقال: قد رأيت أن أرحل إلى ممش فأنزلها فإن بالقيروان خلقا كثيرا من المسلمين ولهم علينا عهد فلا نغدر بهم ونخاف إن قاتلنا زهيرا (أن يثب هؤلاء من ورائنا، فإذا نزلنا ممش أمناهم وقاتلنا زهيرا) ، فإن ظفرنا بهم تبعناهم إلى طرابلس وقطعنا أثرهم من إفريقية، وإن ظفروا بنا تعلقنا بالجبال ونجونا.
فأجابوه إلى ذلك، ورحل إلى ممش، وبلغ ذلك زهيرا فلم يدخل القيروان بل أقام ظاهرها ثلاثة أيام حتى أراح واستراح، ورحل في طلب كسيلة، فلما قاربه نزل وعبى أصحابه وركب إليه، فالتقى العسكران، واشتد القتال، وكثر القتل في الفريقين، حتى أيس الناس من الحياة، فلم يزالوا كذلك أكثر النهار، ثم نصر الله المسلمين وانهزم كسيلة وأصحابه وقتل هو وجماعة من أعيان أصحابه بممش، وتبع المسلمون البربر والروم فقتلوا من أدركوا منهم فأكثروا

حسّان بن النعمان وفتح قرطاج (74هـ) :

توقَّف الفتح أربع سنواتٍ لانشغال عبد الملك بن مروان بالقضاء على ثورات الجراجمة في الشَّام ، وتآمُر عمرو بن سعيد بن العاص في دمشق عليه، وثورة مُصعب بن الزُبير في العراق وأخيه عبدُ الله في الحجاز.
فلمَّا تمَّ لهُ ذلك تفرَّغ للمغرب وأعدَّ جيشًا كبيرًا مُنظمًا مُزوَّدًا بِكافَّة أنواع الأسلحة عدده ستَّة آلاف جُندي وولَّى عليه قائدًا من مشاهير قادة الشَّام، وهو حسَّان بن النُعمان الغسَّانيّ سنة 74هـ المُوافقة لِسنة 693م،
 وأمره بالمسير إلى مصر والإقامة فيها حتَّى تكتمل الاستعدادات. ولمَّا تمَّ لهُ ذلك أُذن لهُ بالتوجُّه إلى إفريقية وقد أطلق يده في أموال مصر،  خرج حسَّان بالجيش من مصر سنة 74هـ على رأس جيشه ونزل في طرابُلس حيثُ انضمَّ إليه من كان هُناك من عرب إفريقية وطرابُلس والبربر المُسلمين بِقيادة هلال بن ثروان اللواني ومُحمَّد بن أبي بكير فازداد حجم الجيش حتَّى بلغ حوالي 40 ألف رجل وبعد أن أصلح شأنه خرج نحو إفريقية ودخل القيروان حيثُ تجهَّز منها للغزو،
 وضرب المُسلمون الحِصار على مدينة قرطاج ، ودارت معركةٌ طاحنةٌ بين المُسلمين حتى تمَّ للمُسلمين فتح قرطاج عاصمة البيزنطيين في إفريقية .

موسى بن نُصير وختام فتح المغرب (85 هـ) :

بعد أن سار حسَّان بالغنائم، عزله عبد العزيز بن مروان والي مصر عن إفريقية، وولَّاها موسى بن نصير، وذلك في سنة 85هـ المُوافقة لِسنة 704م، بدأ موسى بن نُصير ولايته بإرسال البُعوث لقتال وإخضاع ما تبقَّى من المُتمردين البربر حول القيروان (واللافت أنَّهُ انتهج نهجًا قاسيًا مع المُتمردين للانتهاء من فتح هذا الإقليم الذي طال كثيرًا)، فبعث 500 فارس لقتال البربر بِنواحي قلعة غزوان القريبة من القيروان فهزموا البربر، ثم وجَّه ابنه عبد الله ففتح بعض نواحي إفريقية، كما وجَّه ابنه مروان ففتح نواحي أُخرى في إفريقية.
فتح مُوسى بن نُصير ناحية سجومة في أرض الزَّاب، فقتل زُعمائها وأمر بني عقبة بن نافع عياض وعُثمان وأبا عُبيدة بالثأر لأبيهم، فقتلوا من أهل سجومة 600 رجل. 
ثم غزا مُوسى بن نُصير قبائل هوارة وزناتة وكتامة، فهزمهم وسبى منهم خمسة آلاف رجل.
وفي سنة 85هـ، غزا مُوسى المغرب الأقصى:
 فهزم البربر، وطاردهم غربًا وسبى منهم الكثير، حتى بلغ السوس الأدنى، ثم تقدم إلى سبتة، فصالحه حاكمها يُليان على أداء الجزية. كما غزا طنجة وفتح درعة وصحراء تافيلالت، وبعث ابنه إلى السوس، فصالحه المصامدة، فأنزلهم بطنجة سنة 88هـ، فجعل عليهم مولاه طارق بن زياد واليًا على طنجة وما حولها في 17 ألف من العرب و12 ألف من البربر، وأمر العرب أن يعلموا البربر القُرآن وأن يُفقهوهم في الدين، ثُمَّ عاد إلى إفريقية
ولم تقتصر غزوات مُوسى بن نُصير على المناطق البريَّة في المغرب، فغزا مُوسى في سنة 86هـ - 705م جزيرة صقلية، 
وغنم غنائم كثيرة. كما غزا قائده عيَّاش بن أخيل مدينة سرقوسة، وغزا عبد الله بن مُرَّة. جزيرة سردانية.
وهكذا استقرَّ الحُكم الإسلامي في المغرب، بعد سنواتٍ طوالٍ من الحُروب والجهاد والغزوات، وانتهى أغلب الأفارقة والبربر والسودان من أهل المغرب، إلى قُبول الإسلام واعتناقه، وامتزجوا مع العرب الوافدين تدريجيًّا ليُشكلوا معًا خليطًا بشريًّا جديدًا من سكنة تلك البلاد

...



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -