العقيدة

لماذا تأخر علي بن أبي طالب عن بيعة أبي بكر

 

العباسيين والعلويين

 الصراع السياسي والديني بين العباسيين والعلويين : 


لماذا يرى بنو علي بن أبي طالب حقهم في الخلافة ؟ 

هذه الرؤية بدأت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد بيعة المسلمين لأبي بكر، وقامت على قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتأخر علي بن أبي طالب عن بيعته لأبي بكر ، وبغض النظر الى صواب تلك الرؤية أو بطلانها ،
فإننا نجد أنفسنا في حيرة حين نراها في مواجهة  فئة لها قرابتها أيضا من النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم بنو العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم .

أسباب تأخر علي بن أبي طالب في بيعة أبي بكر ؟ :

روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما :
عن عائشة، أنها أخبرته، أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك، وما بقي من خمْس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المال "،
وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، قال: فهجرته، فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها علي،
وكان لعليّ من الناس وجهة حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر عليّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر،
فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد، كراهية محضر عمر بن الخطاب،
فقال عمر لأبي بكر: والله، لا تدخل عليهم وحدك،
فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي؟ إني والله لآتينهم،
فدخل عليهم أبو بكر، فتشهد علي بن أبي طالب، ثم قال:
" إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك، وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نحن نرى لنا حقاً لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر، فلما تكلم أبو بكر، قال:
والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال، فإني لم آل فيها عن الحق، ولم أترك أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته، فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة،
فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر، رقي على المنبر، فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة، وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد علي بن أبي طالب، فعظم حق أبي بكر، وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر، ولا إنكارا للذي فضله الله به، ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيبا، فاستبد علينا به، فوجدنا في أنفسنا، فسر بذلك المسلمون، وقالوا: أصبت، فكان المسلمون إلى عليّ قريبا حين راجع الأمر المعروف).

(1) الخلاف القديم بين العباس وعلي بن أبي طالب واختصامهما فيما أفاء الله على رسوله من مال بني النضير:

أخرج البخاري في صحيحه ( ورواه أبو داود والنسائي) ومسلم في صحيحه وهذا لفظه :
عن مالك، عن الزهري، أن مالك بن أوس، حدثه، قال: أرسل إليّ عمر بن الخطاب، فجئته حين تعالى النهار، قال: فوجدته في بيته جالسا على سرير مفضيا إلى رماله، متكئا على وسادة من أدم، فقال لي: يا مال، إنه قد دف أهل أبيات من قومك، وقد أمرت فيهم برضخ، فخذه فاقسمه بينهم، قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري، قال: خذه يا مال، قال: فجاء يَرْفَا – حاجب عمر-، فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد؟
فقال عمر: نعم، فأذن لهم فدخلوا،
ثم جاء، فقال: هل لك في عباس، وعلي؟
قال: نعم، فأذن لهما،
 فقال عباس : يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن .
فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين، فاقض بينهم وأرحهم ،
فقال مالك بن أوس: يخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك،
فقال عمر: اتئدا، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة،
قالوا: نعم،
ثم أقبل على العباس، وعلي، فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:لا نورث ما تركناه صدقة،
قالا: نعم،
فقال عمر: إن الله جل وعز كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم بخاصة، لم يخصص بها أحدا غيره، قال: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول} [الحشر: 7]- ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا -
قال: فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النضير، فوالله، ما استأثر عليكم، ولا أخذها دونكم، حتى بقي هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسوة المال،
ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون ذلك؟
قالوا: نعم، ثم نشد عباسا، وعليا، بمثل ما نشد به القوم، أتعلمان ذلك؟
قالا: نعم،
قال: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما نورث ما تركناه صدقة " ،
فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفي أبو بكر وأنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولي أبي بكر، فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم إني لصادق بار راشد تابع للحق،
فوليتها ثم جئتني أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد، فقلتما: ادفعها إلينا،
فقلت: إن شئتم دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذتماها بذلك، قال: أكذلك؟
قالا: نعم،
قال: ثم جئتماني لأقضي بينكما، ولا والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فرداها إليّ ) .

(2) ثورات آل العباس وآل علي بن أبي طالب على الدولة الأموية :

استمر حكم الدولة الأموية قرابة الـ91 عاما، والتي تأسست على يد معاوية بن أبى سفيان بعد خلافات دموية أودت بحياة العديد من آل بيت النبى محمد صلى الله عليه وسلم، والتي شهدت مقتل الحسين وجمع من آل بيته وأبناء عمومته في حكم يزيد بن معاوية
ثم سقطت الدولة الأموية على يد المطالبين بحق آل البيت بِالخلافة، بعد أن فشلت ثورات بني علي بن أبي طالب ، قام بنو العباس بن عبد المطلب يطالبون بحق آل البيت بالخلافة ونجحوا في انهاء حكم بني أمية .

مقتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية آخر خلفاء بني أمية : (132 هــ)

في البداية والنهاية لابن كثير : لما تقدم عبد الله بن علي بجنوده حتى واجه جيش مروان، ونهض مروان في جنوده وتصاف الفريقان في أول النهار، ويقال إنه كان مع مروان يومئذ مائة ألف وخمسون ألفا، ويقال مائة وعشرون ألفا، وكان عبد الله بن علي في عشرين ألفا.
واشتد القتال جدا بين الناس، فلا تسمع إلا وقعا كالمرازب على النحاس، ثم انهزم أهل الشام واتبعتهم أهل خراسان في أدبارهم يقتلون ويأسرون، وكان من غرق من أهل الشام أكثر ممن قتل.
لما انهزم مروان سار لا يلوي على أحد، وجاء مروان إلى دمشق .
ولما جاء عبد الله بن علي دمشق حاصرها فترة بضعة أشهر .
وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة محمد بن سليمان بن عبد الله النوفلي قال:
كنت مع عبد الله بن علي أول ما دخل دمشق، دخلها بالسيف، وأباح القتل فيها ثلاث ساعات، وجعل جامعها سبعين يوما إسطبلا لدوابه وجماله، ثم نبش قبور بني أمية فلم يجد في قبر معاوية إلا خيطا أسود مثل الهباء، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجد جمجمة، وكان يجد في القبر العضو بعد العضو، إلا هشام بن عبد الملك فإنه وجده صحيحا لم يبل منه غير أرنبة أنفه، فضربه بالسياط وهو ميت وصلبه أياما ثم أحرقه ودق رماده ثم ذره في الريح،
وذلك أن هشاما كان قد ضرب أخاه محمد بن علي، حين كان قد اتهم بقتل ولد له صغير، سبعمائة سوط، ثم نفاه إلى الحميمة بالبلقاء.
قال: ثم تتبع عبد الله بن علي بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم، فقتل منهم في يوم واحد اثنين وتسعين ألفا عند نهر بالرملة، وبسط عليهم الأنطاع ومد عليهم سماطا فأكل وهم يختلجون تحته، وهذا من الجبروت والظلم الذي يجازيه الله عليه، وقد مضى ولم يدم له ما أراده ورجاه .
وأرسل امرأة هشام بن عبد الملك وهي عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية صاحبة الخال، مع نفر من الخراسانية إلى البرية ماشية حافية حاشرة عن وجهها وجسدها عن ثيابها ثم قتلوها.
ثم أحرق ما وجده من عظم ميت منهم.
وأقام بها عبد الله خمسة عشر يوما.
وقد استدعى بالأوزاعي (فقيه أهل الشام) فأوقف بين يديه فقال له: يا أبا عمرو ما تقول في هذا الذي صنعناه؟
قال فقلت له: لا أدري، غير أنه قد حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات " فذكر الحديث.
قال الأوزاعي: وانتظرت رأسي أن يسقط بين رجلي ثم أخرجت، وبعث إلي بمائة دينار

أبو العباس السفاح أول خلفاء بني العباس:

هو عبد الله بن محمد الإمام بن علي السّجّاد ابن عبد الله الحبر بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أمير المؤمنين.
كان مولد السفاح بالحميمة من أرض الشراة من البلقاء بالشام، ونشأ بها حتى أخذ مروان أخاه إبراهيم الإمام فانتقلوا إلى الكوفة.
بويع له بالخلافة بعد مقتل أخيه في حياة مروان بن محمد .
وكان حسن الوجه، فصيح الكلام، حسن الرأي، جيد البديهة حيث قالوا :
دخل عليه عبد الله بن حسن بن حسن بن علي في أول ولايته ،ومعه مصحف وعند السفاح وجوه بني هاشم من أهل بيته وغيرهم،
فقال له: يا أمير المؤمنين أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف.
قال: فأشفق عليه الحاضرون أن يعجل السفاح عليه بشئ أو يترك جوابه فيبقى ذلك مسبة عليه وعليهم.
فحلم عليه السفاح وأحسن في القول والاجابة عليه .

قصة خلافة أبي العباس السفاح :

لما بلغ أهل الكوفة مقتل إبراهيم بن محمد، أراد أبو سلمة الخلال أن يحول الخلافة إلى آل علي بن أبي طالب، فغلبه بقية النقباء والأمراء، وأحضروا أبا العباس السفاح وسلموا عليه بالخلافة، وذلك بالكوفة، وكان عمره إذ ذاك ستا وعشرين سنة.
وكان أول من سلم عليه بالخلافة أبو سلمة الخلال، وذلك ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة، فلما كان وقت صلاة الجمعة خرج السفاح على برذون أبلق، والجنود ملبسة معه، حتى دخل دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد الجامع وصلى بالناس، ثم صعد المنبر وبايعه الناس وهو على المنبر في أعلاه،
وعمه داود بن علي واقف دونه بثلاث درج، وتكلم السفاح، وكان أول ما نطق به أن قال :
" الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه دينا، وكرمه وشرفه وعظمه، واختاره لنا، وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه والقوام به والذابين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها، خصنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته، ووضعنا بالإسلام وأهله في الموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم.
فقال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) [الأحزاب: 33] وقال: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) [الشورى: 23] وقال: (وأنذر عشيرتك الأقربين) [الشعراء: 214] وقال: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين) [الحشر: 7] الآية.
فأعلمهم عزوجل فضلنا وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفئ والغنيمة نصيبنا تكرمة لنا، وتفضلة علينا، والله ذو الفضل العظيم.
وزعمت السبائية الضُّلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم.
أيها الناس بنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا، ورفع بنا الخسيسة، وأتم النقيصة وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة في دنياهم، وإخوانا على سرر متقابلين في أخراهم، فتح الله علينا ذلك منة ومنحة بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما قبضه إليه قام بذلك الأمر بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصا منها.
ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها لأنفسهم، وتداولوها.
فجاروا فيها واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينا (فلما آسفونا انتقمنا منهم) فانتزع منهم ما بأيديهم بأيدينا، ورد الله علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا، وتولى أمرنا والقيام بنصرنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وإني لأرجو لا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله.
يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا، وأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح الهائج والثائر المبير " .
وكان به وعك فاشتد عليه حتى جلس على المنبر ، ونهض عمّه داود فقال:
" الحمد لله شكرا الذي أهلك عدونا وأصار إلينا ميراثنا من بيتنا،
أيها الناس: الآن انقشعت حنادس الظلمات وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، فطلعت شمس الخلافة من مطلعها، ورجع الحق إلى نصابه، إلى أهل نبيكم أهل الرأفة والرحمة والعطف عليكم، أيها الناس إنا والله ما خرجنا لهذا الأمر لنكنز لجينا ولا عقيانا ولا لنحفر نهرا ولا لنبني قصرا ولا لنجمع ذهبا ولا فضة، وإنما أخرجتنا الأنفة من انتزاع حقنا والغضب لبني عمنا، ولسوء سيرة بني أمية فيكم، واستذلالهم لكم، واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم، فلكم علينا ذمة الله وذمة رسوله وذمة العباس، أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل بكتاب الله، ونسير في العامة والخاصة بسيرة رسول الله،
تبا تبا لبني أمية وبني مروان، آثروا العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام وظلموا الأنام، وارتكبوا المحارم وغشوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنتهم في البلاد التي بها استلذوا تسربل الأوزار، وتجلبب الآصار، ومرحوا في أعنة المعاصي، وركضوا في ميادين الغي، جهلا منهم باستدراج الله، وعميا عن أخذ الله، وأمنا لمكر الله، فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث ومزقوا كل ممزق، فبعدا للقوم الضالمين.
وأدان الله من مروان، وقد غره بالله الغرور، أرسل عدو الله في عنانه حتى عثر جواده في فضل خطامه، أظن عدو الله أن لن يقدر عليه أحد، فنادى حزبه وجمع جنده ورمى بكتائبه فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته من مكر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحق ضلاله، وأحل دائرة السوء به، وأحاط به خطيئته، ورد إلينا حقنا وآوانا.
أيها الناس! إن أمير المؤمنين نصره الله نصرا عزيزا، إنما غاد إلى المنبر بعد صلاة الجمعة لأنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك، فادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن، وخليفة الشيطان، المتبع للسفلة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون،  المتوكل على الله المقتدي بالأبرار الأخيار الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها بمعالم الهدى، ومناهج التقى " .
قال فعج الناس له بالدعاء ثم قال:
" واعلموا يا أهل الكوفة أنه لم يصعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا - وأشار بيده إلى السفاح - واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج عنا، حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم عليه السلام، والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا ".

موت عبد الله السفاح سنة ستة وثلاثين ومائة (136 هـ):

وكان موته بالجدري بالأنبار العتيقة، عن ثلاث وثلاثين سنة ، وصلى عليه عمه عيسى بن علي.ودفن في قصر الإمارة من الأنبار، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر.

خلافة أخيه " أبو جعفر المنصور " :

لما حجّ بالناس أبو جعفر المنصور عن ولاية أخيه السفاح عام 136 هـ، وسار معه إلى الحجاز أبو مسلم الخراساني عن أمر الخليفة، وأذن له في الحج، فلما رجعا من الحج وكانا بذات عرق جاء الخبر إلى أبي جعفر - وكان يسير قبل أبي مسلم بمرحلة - بموت أخيه السفاح، فكتب إلى أبي مسلم أن قد حدث أمر فالعجل العجل، فلما استعلم أبو مسلم الخبر عجل السير وراءه، فلحقه إلى الكوفة.
فبويع بالخلافة بعد موت أخيه السفاح والذي مكث في الحكم 4 سنين(132-136 هـ) (750-754م)
ومدة خلافة المنصور 21 سنة (136-157هـ) (754- م775)
واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس

(3) قتال بين العباسيين على الحكم :

خروج عبد الله بن عليّ على ابن أخيه الخليفة المنصور ومقتله سنة سبع وثلاثين ومائة:

لما رجع أبو جعفر المنصور من الحج بعد موت أخيه السفاح، دخل الكوفة فخطب بأهلها يوم الجمعة وصلى بهم، ثم ارتحل منها إلى الأنبار وقد أخذت له البيعة من أهل العراق وخراسان وسائر البلاد سوى الشام،
وقد ضبط عيسى بن علي بيوت الأموال والحواصل للمنصور حتى قدم، فسلم إليه الأمر، وكتب إلى عّمّه عبد الله بن علي يعلمه بوفاة السفاح، فلما بلغه الخبر نادى في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع إليه الأمراء والناس، فقرأ عليهم وفاة السفاح،
ثم قام فيهم خطيبا فذكر أن السفاح كان عهد إليه حين بعثه إلى مروان أنه إن كسره كان الأمر إليه من بعده، وشهد له بذلك بعض أمراء العراق، ونهضوا إليه فبايعوه، ورجع إلى حران فتسلمها من نائب المنصور بعد محاصرة أربعين ليلة، وقتل مقاتل العكي نائبها.
فلما بلغ المنصور ما كان من أمر عمّه بعث إليه أبا مسلم الخراساني ومعه جماعة من الأمراء وقد تحصن عبد الله بن علي بحران، وأرصد عنده ما يحتاج إليه من الأطعمة والسلاح شيئا كثيرا جدا، فسار إليه أبو مسلم الخراساني وعلى مقدمته مالك بن هيثم الخزاعي، فلما تحقق عبد الله قدوم أبي مسلم إليه خشي من جيش العراق أن لا يناصحوه، فقتل منهم سبعة عشر ألفا، وأراد قتل حميد بن قحطبة فهرب منه إلى أبي مسلم، فركب عبد الله بن علي فنزل نصيبين وخندق حول عسكره، وأقبل أبو مسلم فنزل ناحية وكتب إلى عبد الله: إني لم أومر بقتالك، وإنما بعثني أمير المؤمنين واليا على الشام فأنا أريدها.
فخاف جنود الشام من هذا الكلام فقالوا: إنا نخاف على ذرارينا وديارنا وأموالنا، فنحن نذهب إليها نمنعهم منه.
فقال عبد الله: ويحكم! والله إنه لم يأت إلا لقتالنا.
فأبوا إلا أن يرتحلوا نحو الشام، فتحول عبد الله من منزله ذلك وقصد ناحية الشام، فنهض أبو مسلم فنزل موضعه وغور ما حوله من المياه - وكان موضع عبد الله الذي تحول منه موضعا جيدا جدا - فاحتاج عبد الله وأصحابه فنزلوا في موضع أبي مسلم فوجدوه منزلا رديئا، ثم أنشأ أبو مسلم القتال فحاربهم خمسة أشهر، وكان على خيل عبد الله أخوه عبد الصمد بن علي، وعلى ميمنته بكار بن مسلم
العقيلي، وعلى ميسرته حبيب بن سويد الأسدي.
وعلى ميمنة أبي مسلم الحسن بن قحطبة، وعلى ميسرته أبو نصر خازم بن خزيم ، وقد جرت بينهم وقعات وقتل منهم جماعات في أيام نحسات، وكان أبو مسلم إذا حمل يرتجز ويقول: من كان ينوي أهله فلا رجع * فر من الموت وفي الموت وقع وكان يعمل له عرش فيكون فيه إذا التقى الجيشان فما رأى في جيشه من خلل أرسل فأصلحه.
فلما كان يوم الثلاثاء أو الأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فمكر بهم أبو مسلم! بعث إلى الحسن بن قحطبة أمير الميمنة فأمره أن يتحول بمن معه إلا القليل إلى الميسرة، فلما رأى ذلك أهل الشام انحازوا إلى الميمنة بإزاء الميسرة التي تعمرت، فأرسل حينئذ أبو مسلم إلى القلب أن يحمل بمن بقي في الميمنة على ميسرة أهل الشام فحطموهم، فجال أهل القلب والميمنة من الشاميين فحمل الخراسانيون علي أهل الشام وكانت الهزيمة، وانهزم عبد الله بن علي بعد تلوم، واحتاز أبو مسلم ما كان في معسكرهم، وأمن أبو مسلم بقية الناس فلم يقتل منهم أحدا، وكتب إلى المنصور بذلك، فأرسل المنصور مولاه أبا الخصيب ليحصي ما وجدوا في معسكر عبد الله، فغضب من ذلك أبو مسلم الخراساني.
واستوسقت الممالك لأبي جعفر المنصور، ومضى عبد الله بن علي وأخوه عبد الصمد على وجهيهما، فلما مرا بالرصافة أقام بها عبد الصمد، فلما رجع أبو الخصيب وجده بها فأخذه معه مقيدا في الحديد فأدخله على المنصور فدفعه إلى عيسى بن موسى فاستأمن له المنصور، وقيل بل استأمن له إسماعيل به علي.
وأما عبد الله بن علي فإنه ذهب إلى أخيه سليمان بن علي بالبصرة فأقام عنده زمانا مختفيا ، ثم علم به المنصور فبعث إليه فسجنه في بيت بني أسامة على الملح ثم أطلق عليه الماء فذاب الملح وسقط البيت علي عبد الله فمات.
وهذه من بعض دواهي المنصور والله سبحانه أعلم .
فلبث في السجن سبع سنين ثم سقط عليه في البيت الذي هو فيه فمات .


(4) بدء الصراع الدموي بين الهاشميين "آل العباس وآل علي " :

خروج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة (سنة خمس وأربعين ومائة هجرية) :

هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الملقب بالنفس الزكية.

مقدمة الخروج :

لما بويع لبني العباس، اختفى محمد وأخوه ابراهيم مدة خلافة السفاح ، فلما صارت الخلافة إلى المنصور خاف محمد بن عبد الله بن الحسن وأخوه إبراهيم منه خوفا شديدا ، ثم هربا، فصارا إلى اليمن، ثم سارا إلى الهند، ثم تحولا إلى المدينة فاختفيا بها.
ثم خرجا عليه من سويقة المدينة ، وجدّ المنصور في طلبهما، فخرج أخوه إبراهيم إلى البصرة وقتل،
وأمّا محمد النفس الزكية، فكان من أبي جعفر المنصور أن كتب إليه وراسله وحاوره محمد النفس الزكية ولم يتوصلا إلى حل سلمي فندب لحربه المنصور ابن عمه عيسى بن موسى بن محمد العباسي، فأقبل عيسى حتى أناخ على المدينة، وكتب إلى كبراء اهلها يستميلهم ويمنيهم، فتفرق عن النفس الزكيه الكثير وبقى معه القليل، وكان الإمامان أبو حنيفة ومالك بن أنس يريان أنه الأحق بالخلافة .
الأحداث :
خرج محمد على إثر ذهاب أبي جعفر المنصور بأهله بني حسن من المدينة إلى العراق وسجنهم في مكان ساء مستقرا ومقاما، لا يسمعون فيه أذانا ولا يعرفون فيه دخول أوقات صلوات إلا بالأذكار والتلاوة.
وقد مات أكثر أكابرهم هنالك رحمهم الله.
هذا كله ومحمد الذي يطلبه مختف بالمدينة، حتى إنه في بعض الأحيان اختفى في بئر نزل في مائه كله إلا رأسه، وباقيه مغمور بالماء، وقد تواعد هو وأخوه وقتا معينا يظهران فيه، هو بالمدينة وإبراهيم بالبصرة، ولم يزل الناس - أهل المدينة وغيرهم - يؤنبون محمد بن عبد الله في اختفائه وعدم ظهوره حتى عزم على الخروج، وذلك لما أضر به شدة الاختفاء وكثرة إلحاح رياح نائب المدينة في طلبه ليلا ونهارا، فلما اشتد به الأمر وضاق الحال واعد أصحابه على الظهور في الليلة الفلانية،
فلما كانت تلك الليلة جاء بعض الوشاة إلى متولي المدينة فأعلمه بذلك، فضاق ذرعا وانزعج لذلك انزعاجا شديدا، وركب في جحافله فطاف بالمدينة وحول دار مروان، وهم مجتمعون بها، فلم يشعر بهم.
فلما رجع إلى منزله بعث إلى بني حسين بن علي فجمعهم ومعهم رؤوس من سادات قريش وغيرهم، فوعظهم وأنبهم وقال: يا معشر أهل المدينة، أمير المؤمنين يتطلب هذا الرجل في المشارق والمغارب وهو بين أظهركم، ثم ما كفاكم حتى بايعتموه على السمع والطاعة؟ والله لا يبلغني عن أحد منكم خرج معه إلا ضربت عنقه.
فأنكر الذين هم هنالك حاضرون أن يكون عندهم علم أو شعور بشئ من هذا، وقالوا: نحن نأتيك برجال مسلحين يقاتلون دونك إن وقع شئ من ذلك.
فنهضوا فجاؤوه بجماعة مسلحين فاستأذنوه في دخولهم عليه، فقال: لا إذن لهم إني أخشى أن يكون ذلك خديعة.
فجلس أولئك على الباب ومكث الناس جلوسا حول الأمير وهو واجم لا يتكلم إلا قليلا حتى ذهبت طائفة من الليل، ثم ما فجئ الناس إلا وأصحاب محمد بن عبد الله قد ظهروا وأعلنوا بالتكبير، فانزعج الناس في جوف الليل، وأشار بعض الناس على الأمير أن يضرب أعناق بني حسين، فقال أحدهم: علام ونحن مقرون بالطاعة؟
واشتغل الأمير عنهم بما فجأه من الأمر، فاغتنموا الغفلة ونهضوا سراعا فتسوروا جدار الدار وألقوا أنفسهم على كناسة هنالك.
وأقبل محمد بن عبد الله بن حسن في مائتين وخمسين، فمر بالسجن فأخرج من فيه، وجاء دار الإمارة فحاصرها فافتتحها ومسك الأمير رياح بن عثمان نائب المدينة فسجنه في دار مروان، وسجن معه ابن مسلم بن عقبة، وهو الذي أشار بقتل بني حسين في أول هذه الليلة فنجوا وأحيط به، وأصبح محمد بن عبد الله بن حسن وقد استظهر على المدينة ودان له أهلها، فصلى بالناس الصبح وقرأ فيها سورة إنا فتحنا لك فتحا مبينا.
وأسفرت هذه الليلة عن مستهل رجب من هذه السنة.
وقد خطب محمد بن عبد الله أهل المدينة في هذا اليوم، فتكلم في بني العباس وذكر عنهم أشياء ذمهم بها، وأخبرهم أنه لم ينزل بلدا من البلدان إلا وقد بايعوه على السمع والطاعة ، فبايعه أهل المدينة كلهم إلا القليل.
وقد روى ابن جرير عن الإمام مالك: أنه أفتى الناس بمبايعته،
فقيل له: فإن في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما كنتم مكرهين وليس لمكره بيعة.
فبايعه الناس عند ذلك عن قول مالك، ولزم مالك بيته.
وقد قال إسماعيل بن عبد الله بن جعفر حين دعاه إلى بيعته: يا بن أخي إنك مقتول.
فارتدع بعض الناس عنه واستمر جمهورهم معه، فاستناب عليهم عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي، وعلى شرطتها عثمان بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن مسور بن مخرمة،
وتلقب بالمهدي طمعا أن يكون هو المذكور في الأحاديث فلم يكن به، ولا تم له ما رجاه ولا تمناه، فإنا لله.
وقد ارتحل بعض أهل المدينة عنها ليلة دخلها، فطوى المراحل البعيدة إلى المنصور في سبع ليال، فورد عليه فوجده نائما في الليل، فقال للربيع الحاجب: استأذن على الخليفة، فقال: إنه لا يوقظ في هذه الساعة.
فقال: إنه لا بد من ذلك فأخبر الخليفة فخرج فقال: ويحك! ما وراءك؟
فقال: إنه خرج ابن حسن بالمدينة.
فلم يظهر المنصور لذلك اكتراثا وانزعاجا، بل قال: أنت رأيته؟ قال: نعم!
فقال: هلك والله وأهلك معه من اتبعه ثم أمر بالرجل فسجن، ثم جاءت الأخبار بذلك فتواترت.
فأطلقه المنصور وأطلق له عن كل ليلة ألف درهم فأعطاه سبعة آلاف درهم.
ولما تحقق المنصور الأمر من خروجه ضاق ذرعا، فقال له بعض المنجمين: يا أمير المؤمنين لا عليك منه، فوالله لو ملك الأرض بحذافيرها فإنه لا يقيم أكثر من سبعين يوما.
ثم أمر المنصور جميع رؤوس الأمراء أن يذهبوا إلى السجن فيجتمعوا بعبد الله بن حسن - والد محمد - فيخبروه بما وقع من خروج ولده ويسمعوا ما يقول لهم.
فلما دخلوا عليه أخبروه بذلك فقال: ما ترون ابن سلامة فاعلا؟ - يعني المنصور - فقالوا: لا ندري.
فقال: والله لقد قتل صاحبكم البخل ينبغي له أن ينفق الاموال ويستخدم الرجال، فإن ظهر فاسترجاع ما أنفق سهل، وإلا لم يكن لصاحبكم شئ في الخزائن وكان ما خزن لغيره.
فرجعوا إلى الخليفة فأخبروه بذلك، وأشار الناس على الخليفة بمناجزته، فاستدعى
عيسى بن موسى فندبه إلى ذلك، ثم قال: إني سأكتب إليه كتابا أنذره به قبل قتاله فكتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم! من عبد الله بن عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمد بن عبد الله: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا) الآية إلى قوله: (فاعلموا أن الله غفور رحيم) [المائدة: 33 - 34] ثم قال: فلك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله، إن أنت رجعت إلى الطاعة لاومننك ومن اتبعك، ولأعطينك ألف ألف درهم، ولأدعنك تقيم في أحب البلاد إليك، ولأقضين لك جميع حوائجك، في كلام طويل.
فكتب إليه محمد جواب كتابه: من عبد الله المهدي محمد بن عبد الله بن حسن:
(بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين، نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون، إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين، وتريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) [القصص: 1 - 5] ثم قال: وإني أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت عليّ، فأنا أحق بهذا الأمر منكم، وأنتم إنما وصلتم إليه بنا، فإن عليًّا كان الوصي وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟ ونحن أشرف أهل الأرض نسبا، فرسول الله خير الناس وهو جدنا، وجدتنا خديجة وهي أفضل زوجاته، وفاطمة ابنته أمنا وهي أكرم بناته، وإن هاشما ولد عليّا مرتين، وإن حسناً ولده عبد المطلب مرتين، وهو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد أبي مرتين، وإني أوسط بني هاشم نسبا ، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وأخفهم عذابا في النار.
فأنا أولى بالأمر منك، وأولى بالعهد وأوفى به منك، فإنك تعطي العهد ثم تنكث ولا تفي، كما فعلت بابن هبيرة فإنك أعطيته العهد ثم غدرت به، ولا أشد عذابا من إمام غادر، وكذلك فعلت بعمك عبد الله بن علي، وأبي مسلم الخراساني.
ولو أعلم أنك تصدق لأجبتك لما دعوتني إليه، ولكن الوفاء بالعهد من مثلك لمثلي بعيد والسلام.

فكتب إليه أبو جعفر جواب ذلك في كتاب طويل حاصله:
أما بعد فقد قرأت كتابك فإذا جلّ فخرك وإدلالك قرابة النساء لتضل به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبية والأولياء، وقد أنزل الله (وأنذر عشيرتك الأقربين) [الشعراء: 214] وكان له حينئذ أربعة أعمام، فاستجاب له اثنان أحدهما جدنا، وكفر اثنان أحدهما أبوك - يعني جده أبا طالب - فقطع الله ولايتهما منه ولم يجعل بينهما إلا ولا ذمة، وقد أنزل الله في عدم إسلام أبي طالب (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) [القصص: 56] وقد فخرت به وأنه أخف أهل النار عذابا، وليس في الشر خيار، ولا ينبغي لمؤمن أن يفخر بأهل النار، وفخرت بأن عليا ولده هاشم مرتين.
وإن حسنا ولده عبد المطلب مرتين، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولده عبد الله مرة واحدة، وقولك إنك لم تلدك أمهات أولاد، فهذا إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية، وهو خير منك، وعلي بن الحسن من أم ولد وهو خير منك، وكذلك ابنه محمد بن علي، وابنه جعفر بن محمد، جداتهما أمهات أولاد وهما خير منك،
وأما قولك بنو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) [الأحزاب: 40] وقد جاءت السنة التي لا خلاف فيها بين المسلمين أن الجد أبا الأم والخال والخالة لا يورثون، ولم يكن لفاطمة ميراث من رسول الله صلى الله عليه وسلم بنص الحديث.
وقد مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوك حاضر فلم يأمره بالصلاة بالناس، بل أمر غيره.
ولما توفي لم يعدل الناس بأبي بكر وعمر أحدا، ثم قدموا عليه عثمان في الشورى والخلافة، ثم لما قتل عثمان اتهمه بعضهم به، وقاتله طلحة والزبير على ذلك، وامتنع سعد من مبايعته ثم بعد ذلك معاوية، ثم طلبها أبوك وقاتل عليها الرجال، ثم اتفق على التحكيم فلم يف به، ثم صارت إلى الحسن فباعها بخرق ودراهم، وأقام بالحجاز يأخذ مالا من غير حله، وسلم الأمر إلى غير أهله، وترك شيعته في أيدي بني أمية ومعاوية.
فإن كانت لكم فقد تركتموها وبعتموها بثمنها.
ثم خرج عمك حسين على ابن مرجانة وكان الناس معه عليه حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه، ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل، وحرقوكم بالنار، وحملوا نساءكم على الإبل كالسبايا إلى الشام، حتى خرجنا عليهم نحن فأخذنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم، وأورثناكم أرضهم وديارهم، وذكرنا فضل سلفكم، فجعلت ذلك حجة علينا،
وظننت أنا إنما ذكرنا فضله على أمثاله على حمزة والعباس وجعفر، وليس الأمر كما زعمت، فإن هؤلاء مضوا ولم يدخلوا في الفتن، وسلموا من الدنيا فلم تنقصهم شيئا، فاستوفوا ثوابهم كاملا، وابتلي بذلك أبوك.
وكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلوات المكتوبات، فأحيينا ذكره وذكرنا فضله وعنفناهم بما نالوا منه، وقد علمت إن مكرمتنا في الجاهلية بسقاية الحجيج الأعظم، وخدمة زمزم، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا بها.
ولما قحط الناس زمن عمر استسقى بأبينا العباس، وتوسل به إلى ربه وأبوك حاضر، وقد علمت أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا العباس، فالسقاية سقايته، والوراثة وراثته، والخلافة في ولده، فلم يبق شرف في الجاهلية والإسلام إلا والعباس وارثه ومورثه"...،
في كلام طويل فيه بحث ومناظرة وفصاحة،وقد استقصاه ابن جرير بطوله والله سبحانه أعلم

مقتل محمد بن عبد الله بن حسن :

بعث محمد بن عبد الله بن حسن في غبون ذلك رسولا إلى أهل الشام يدعوهم إلى بيعته وخلافته فأبوا قبول ذلك منه، وقالوا: قد ضجرنا من الحروب ومللنا من القتال.
وجعل يستميل رؤوس أهل المدينة، فمنهم من أجابه ومنهم من امتنع عليه، وقال له بعضهم: كيف أبايعك وقد ظهرت في بلد ليس فيه مال تستعين به على استخدام الرجال؟ ولزم بعضهم منزله فلم يخرج حتى قتل محمد.
وبعث محمد هذا الحسين بن معاوية بن سبعين رجلا ونحوا من عشرة فوارس إلى مكة نائبا إن هو دخلها فساروا إليها، فلما بلغ أهلها قدومهم خرجوا إليهم في ألوف من المقاتلة، فقال لهم الحسن بن معاوية علام تقاتلون وقد مات أبو جعفر؟
فقال السري بن عبد الله زعيم أهل مكة: إن برده جاءتنا من أربع ليال وقد أرسلت إليه كتابا فأنا أنتظر جوابه إلى أربع، فإن كان ما تقولون حقا سلمتكم البلد وعلي مؤنة رجالكم وخيلكم.
فامتنع الحسن بن معاوية من الانتظار وأبى إلا المناجزة، وحلف لا يبيت الليلة إلا بمكة، إلا أن يموت.
وأرسل إلى السري أن ابرز من الحرم إلى الحل حتى لا تراق الدماء في الحرم.
فلم يخرج، فتقدموا إليهم فصافوهم فحمل عليه الحسن وأصحابه حملة واحدة فهزموهم وقتلوا منهم نحو سبعة، ودخلوا مكة.
فلما أصبحوا خطب الحسن بن معاوية الناس وأغراهم بأبي جعفر، ودعاهم إلى محمد بن عبد الله بن حسن المهدي.
وأما ما كان من المنصور فإنه جهز الجيوش إلى محمد بن عبد الله بن حسن، صحبة عيسى بن موسى عشرة آلاف فارس من الشجعان المنتخبين، منهم محمد بن أبي العباس السفاح، وجعفر بن حنظلة البهراني، وحميد بن قحطبة، وكان المنصور قد استشاره فيه فقال:
يا أمير المؤمنين ادع بمن شئت ممن تثق به من مواليك فابعث بهم إلى وادي القرى يمنعونهم من ميرة الشام، فيموت هو ومن معه جوعا، فإنه ببلد ليس فيه مال ولا رجال ولا كراع ولا سلاح.
وقدم بين يديه كثير بن الحصين العبدي وقد قال المنصور لعيسى بن موسى حين ودعه: يا عيسى! إني أبعثك إلى جنبي هذين، فإن ظفرت بالرجل فشم سيفك وناد في الناس بالأمان وإن تغيب فضمنهم إياه حتى يأتوك به، فإنهم أعلم بمذاهبه.
وكتب معه كتبا إلى رؤساء قريش والأنصار من أهل المدينة يدفعها إليهم خفية يدعوهم إلى الرجوع إلى الطاعة.
فلما اقترب عيسى بن موسى من المدينة بعث الكتب مع رجل فأخذه حرس محمد بن عبد الله بن حسن فوجدوا معه تلك الكتب فدفعوها إلى محمد فاستحضر جماعة من أولئك
فعاقبهم وضربهم ضربا شديدا وقيدهم قيودا ثقالا، وأودعهم السجن.
ثم إن محمدا استشار أصحابه بالقيام بالمدينة حتى يأتي عيسى بن موسى فيحاصرهم بها، أو أنه يخرج بمن معه فيقاتل أهل العراق؟ فمنهم من أشار بهذا، ومنهم من أشار بذاك،
ثم اتفق الرأي على المقام بالمدينة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندم يوم أحد على الخروج منها، ثم اتفقوا على حفر خندق حول المدينة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، فأجاب إلى ذلك كله، وحفر مع الناس في الخندق بيده اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ظهر لهم لبنة من الخندق الذي حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففرحوا بذلك وكبروا وبشروه بالنصر.
وكان محمد حاضرا عليه قباء أبيض وفي وسطه منطقة، وكان شكلا ضخما أسمر عظيم الهامة.
ولما نزل عيسى بن موسى الأعوص واقترب من المدينة، صعد محمد بن عبد الله المنبر فخطب الناس وحثهم على الجهاد - وكانوا قريبا من مائة ألف - فقال لهم في جملة ما قال: إني جعلتكم في حلّ من بيعتي، فمن أحب منكم أن يقيم عليها فعل،ومن أحب أن يتركها فعل.
فتسلل كثير منهم أو أكثرهم عنه، ولم يبق إلا شرذمة قليلة معه، وخرج أكثر أهل المدينة بأهليهم منها لئلا يشهدوا القتال بها، فنزلوا الأعراض ورؤوس الجبال.
وقد بعث محمد أبا الليث ليردهم عن الخروج فلم يمكنه ذلك في أكثرهم، واستمروا ذاهبين.
وقال محمد لرجل أتأخذ سيفا ورمحا وترد هؤلاء الذين خرجوا من المدينة؟
فقال: نعم إن أعطيتني رمحا أطعنهم وهم بالأعراض، وسيفا أضربهم وهم في رؤوس الجبال فعلت.
فسكت محمد ثم قال لي: ويحك؟ أن أهل الشام والعراق وخراسان قد بيضوا - يعني لبسوا البياض - موافقة لي وخلعوا السواد.
فقال: وماذا ينفعني أن لو بقيت الدنيا زبدة بيضاء - وأنا في مثل صوفة الدواة، وهذا عيسى بن موسى نازل بالأعوص.
ثم جاء عيسى بن موسى فنزل قريبا من المدينة، على ميل منها، فقال له دليله ابن الأصم: إني أخشى إذا كشفتموهم أن يرجعوا إلى معسكرهم سريعا قبل أن تدركهم الخيل.
ثم ارتحل به فأنزله الجرف على سقاية سليمان بن عبد الملك على أربعة أميال من المدينة، وذلك يوم السبت لصبح اثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان من هذه السنة.
وقال: إن الراجل إذا هرب لا يقدر على الهرولة أكثر من ميلين أو ثلاثة فتدركه الخيل.
وأرسل عيسى بن موسى خمسمائة فارس فنزلوا عند الشجرة في طريق مكة، وقال لهم هذا الرجل إن هرب فليس له ملجأ إلا مكة، فحولوا بينه وبينها.
ثم أرسل عيسى إلى محمد يدعوه إلى السمع والطاعة لأمير المؤمنين المنصور، وأنه قد أعطاه الأمان له ولأهل بيته إن هو أجابه.
فقال محمد للرسول: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك.
ثم بعث إلى عيسى بن موسى يقول له: إني أدعوك إلى كتاب الله وسنة رسوله، فاحذر أن تمتنع فأقتلك فتكون شر قتيل، أو تقتلني فتكون قتلت من دعاك إلى الله ورسوله.
ثم جعلت الرسل تتردد بينهما ثلاثة أيام.
هذا يدعو هذا، وهذا يدعو هذا.
وجعل عيسى بن موسى يقف في كل يوم من هذه الأيام الثلاثة على الثنية عند سلع فينادي: يا أهل المدينة أن دماءكم علينا حرام فمن جاءنا فوقف تحت رايتنا فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، فليس لنا في قتالكم أرب، وإنما نريد محمدا وحده لنذهب به إلى الخليفة.
فجعلوا يسبونه وينالون من أمه، ويكلمونه بكلام شنيع، ويخاطبونه مخاطبة فظيعة، وقالوا له: هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا ونحن معه، نقاتل دونه.
فلما كان اليوم الثالث أتاهم في خيل ورجال وسلاح ورماح لم ير مثلها، فناداه يا محمد! إن أمير المؤمنين أمرني أن لا أقاتلك حتى أدعوك إلى الطاعة، فإن فعلت أمنك وقضى دينك وأعطاك أموالا وأراضي، وإن أبيت قاتلتك فقد دعوتك غير مرة.
فناداه محمد: إن ليس لكم عندي إلا القتال.
فنشبت الحرب حينئذ بينهم، وكان جيش عيسى بن موسى فوق أربعة آلاف، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة، وعلى ميمنته محمد بن السفاح، وعلى ميسرته داود بن كرار، وعلى الساقة الهيثم بن شعبة، ومعهم عدد لم ير مثلها.
وفرق عيسى أصحابه في كل قطر طائفة.
وكان محمد وأصحابه على عدة أصحاب أهل بدر، واقتتل الفريقان قتالا شديدا جدا، وترجل محمد إلى الأرض فيقال إنه قتل بيده من جيش عيسى بن موسى سبعين رجلا من أبطالهم، وأحاط بهم أهل العراق فقتلوا طائفة من أصحاب محمد بن عبد الله بن حسن، فاقتحموا عليهم الخندق الذي كانوا حفروه وعملوا أبوابا على قدره، وقيل إنهم ردموه بحدائج الجمال حتى أمكنهم أن يجوزوه .
ولم تزل الحرب ناشبة بينهم حتى صليت العصر .
فلما صلى محمد العصر نزلوا إلى مسيل الوادي بسلع فكسر جفن سيفه وعقر فرسه وفعل أصحابه مثله وصبروا أنفسهم للقتال وحميت الحرب حينئذ جدا، فاستظهر أهل العراق، ورفعوا راية سوداء فوق سلع،
 ثم دنوا إلى المدينة فدخلوها ونصبوا راية سوداء فوق مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلما رأى ذلك أصحاب محمد تنادوا: أخذت المدينة، وهربوا وبقي محمد في شرذمة قليلة جدا ثم بقي وحده وليس معه أحد، وفي يده سيف صلت يضرب به من تقدم إليه، فكان لا يقوم له شئ إلا أنامه، حتى قتل خلقا من أهل العراق من الشجعان، 
ويقال إنه كان في يده يومئذ ذو الفقار ثم تكاثر عليه الناس فتقدم إليه رجل فضربه بسيفه تحت شحمة أذنه اليمنى فسقط لركبتيه وجعل يحمي نفسه ويقول: ويحكم ابن نبيكم مجروح مظلوم.
ثم تقدم حميد بن قحطبة فحزّ رأسه وذهب به إلى عيسى بن موسى فوضعه بين يديه.
وكان حميد قد حلف أن يقتله متى رآه، فما أدركه إلا كذلك ولو كان على حاله وقوته لما استطاعه حميد ولا غيره من الجيش.
وكان مقتل محمد بن عبد الله بن حسن عند أحجار الزيت يوم الاثنين بعد العصر، لأربع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة خمس وأربعين ومائة،
وقال عيسى بن موسى لأصحابه حين وضع رأسه بين يديه: ما تقولون فيه؟
فنال منه أقوام وتكلموا فيه، فقال رجل: كذبتم والله! لقد كان صواما قواما، ولكنه خالف أمير المؤمنين وشقّ عصا المسلمين فقتلناه على ذلك ، 
 فسكتوا حينئذ.
................
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -