القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار عاجلة[LastPost]

منزلة الرعاية (مدارج السالكين )

 

مدارج السالكين 




* من منازل {إياك نعبد وإياك نستعين} : منزلة الرعاية


معنى الرعاية في اللغة :

الرعاية: حرفة الراعي، وراعي الماشية: حافظها ، وفي التنزيل" قصة موسى والمرأتين ": (لا نسقي حتى يصدر الرعاء ) ، جمع الراعي.
وفي الحديث : "كلكم راع ومسئول عن رعيته " .
والراعي: الوالي، والرعية: العامة، ورعى الأمير رعيته رعاية، وكل من ولي أمر قوم فهو راعيهم وهم رعيته.
وقد استرعاه إياهم: استحفظه، واسترعيته الشيء فرعاه.


حقيقة منزلة الرعاية:

هي مراعاة العلم وحفظه بالعمل.
ومراعاة العمل بالإحسان والإخلاص، وحفظه من المفسدات. ومراعاة الحال بالموافقة، وحفظه بقطع التفريق.
فالرعاية صيانة وحفظ.

مراتب العلم والعمل ، ثلاثة:

رواية: وهي مجرد النقل وحمل المروي.
ودراية: وهي فهمه وتعقل معناه.
ورعاية: وهي العمل بموجب ما علمه ومقتضاه.
فالنقلة همتهم الرواية. والعلماء همتهم الدراية. والعارفون همتهم الرعاية.

قال صحاب المنازل : (الرعاية :صون بالعناية )
قال ابن القيم: صون بالعناية أي حفظ بالاعتناء، والقيام بحق الشيء الذي يرعاه،ومنه راعي الغنم.

دليل الرعاية في الكتاب :

قد ذم الله من لم يرع ما اختاره وابتدعه من الرهبانية حق رعايته. فقال تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة، ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27] .
" رهبانية " منصوب ب " ابتدعوها " على الاشتغال.
أي: وابتدعوا رهبانية.
فالوقوف التام عند قوله: {ورحمة} 
ثم يبتدئ: {ورهبانية ابتدعوها} ما كتبناها عليهم أي: لم نشرعها لهم. بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم، ولم نكتبها عليهم.
قوله (إلا ابتغاء رضوان الله ) أي لم يفعلوها ولم يبتدعوها إلا لطلب رضوان الله. ودل على هذا قوله " ابتدعوها " ثم ذكر الحامل لهم والباعث على ابتداع هذه الرهبانية، وأنه هو طلب الرضوان.
(فما رعوها حق رعايتها) قلت: أي لم يرعوا الرهبانية حقّ رعايتها.
قال ابن القيم : ثم ذمهم بترك رعايتها؛ إذ من التزم لله شيئا لم يلزمه الله إياه من أنواع القرب لزمه رعايته وإتمامه، حتى ألزم كثير من الفقهاء من شرع في طاعة مستحبة حكمه بإتمامها.
وجعلوا التزامها بالشروع كالتزامها بالنذر.
قالوا: والالتزام بالشروع أقوى من الالتزام بالقول. فكما يجب عليه ما التزمه بالنذر وفاء، يجب عليه رعاية ما التزمه بالفعل إتماما.

والقصد: أن الله سبحانه وتعالى ذمّ من لم يرع قربة ابتدعها لله تعالى حق رعايتها؛ فكيف بمن لم يرع قربة شرعها الله لعباده، وأذن بها وحث عليها؟ !


رعاية الأعمال:

قال صاحب المنازل : (فأما رعاية الأعمال فتوفيرها بتحقيرها. والقيام بها من غير نظر إليها. وإجراؤها على مجرى العلم، لا على التزين بها).
قوله ( أما رعاية الأعمال فتوفيرها بتحقيرها)
فالتوفير: سلامة من طرفي التفريط بالنقص، والإفراط بالزيادة على الوجه المشروع في حدودها وصفاتها وشروطها وأوقاتها.
وأما تحقيرها فاستصغارها في عينه. واستقلالها، وأن ما يليق بعظمة الله وجلاله وحقوق عبوديته أمر آخر. وأنه لم يوفه حقه. وأنه لا يرضى لربه بعمله، ولا بشيء منه.
وقد قيل: علامة رضا الله عن الإنسان عنك إعراضك عن نفسك.
وعلامة قبول عملك علامة قبول العمل احتقاره واستقلاله، وصغره في قلبك،
حتى إن العارف ليستغفر الله عقيب طاعته، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من الصلاة استغفر الله ثلاثا.
وأمر الله عباده بالاستغفار عقيب الحج. ومدحهم على الاستغفار عقيب قيام الليل. وشرع النبي صلى الله عليه وسلم عقيب الطهور التوبة والاستغفار.
فمن شهد واجب ربه ومقدار عمله، وعيب نفسه لم يجد بدا من استغفار ربه منه، واحتقاره إياه واستصغاره.
وأما القيام بها فهو توفيتها حقها، وجعلها قائمة كالشهادة القائمة، والصلاة القائمة، والشجرة القائمة على ساقها التي ليست بساقطة.
وقوله: من غير نظر إليها؛ أي من غير أن يلتفت إليها ويعددها ويذكرها مخافة العجب والمنة بها. فيسقط من عين الله. ويحبط عمله.
وقوله: وإجراؤها على مجرى العلم هو أن يكون العمل على مقتضى العلم المأخوذ من مشكاة النبوة، إخلاصا لله.
وإرادة لوجهه، وطلبا لمرضاته، لا على وجه التزين بها عند الناس.

رعاية الأحوال:

قال: (وأما رعاية الأحوال فهو أن يعد الاجتهاد مراءاة، واليقين تشبعا، والحال دعوى ).
أي يتهم نفسه في اجتهاده أنه راءى الناس. فلا يطغى به. ولا يسكن إليه. ولا يعتد به.
وأما عده اليقين تشبعا. فالتشبع: افتخار الإنسان بما لا يملكه. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور "  .
وعد اليقين تشبعا: يحتمل وجهين: أحدهما: أن ما حصل له من اليقين لم يكن به، ولا منه، ولا استحقه بعوض. وإنما هو فضل الله وعطاؤه، ووديعته عنده، ومجرد منته عليه. فهو خلعة خلعها سيده عليه. والعبد وخلعته ملكه وله. فما للعبد في اليقين مدخل. وإنما هو متشبع بما هو ملك لله وفضله ومنته على عبده.
والوجه الثاني: أن يتهم يقينه، وأنه لم يحصل له اليقين على الوجه الذي ينبغي، بل ما حصل له منه هو كالعارية لا الملك المستقر، فهو متشبع بزعم نفسه بأن اليقين ملكه وله. وليس كذلك. وهذا لا يختص باليقين، بل بسائر الأحوال. فالصادق يعد صدقه تشبعا. وكذا المخلص يعد إخلاصه. وكذا العالم. لاتهامه لصدقه وإخلاصه وعلمه. وأنه لم ترسخ قدمه في ذلك. ولم يحصل له فيه ملكة. فهو كالمتشبع به.
ولما كان اليقين روح الأعمال وعمودها، وذروة سنامها خصه بالذكر. تنبيها على ما دونه.
والحاصل أنه يتهم نفسه في حصول اليقين. فإذا حصل فليس حصوله به ولا منه، ولا له فيه شيء، فهو يذم نفسه في عدم حصوله. ولا يحمدها عند حصوله.
وأما عد الحال دعوى؛ أي دعوى كاذبة، اتهاما لنفسه، وتطهيرا لها من رعونة
الدعوى، وتخليصا للقلب من نصيب الشيطان. فإن الدعوى من نصيب الشيطان. وكذلك القلب الساكن إلى الدعوى مأوى الشيطان. أعاذنا الله من الدعوى ومن الشيطان.

الخلاصة في الرعاية :

أقول : أن ترعى الصلاة بأن تقوم لها في بيوت الله خاشعا طامعا ،
ورعاية المال أن يكون من كسب حلال ولا ينفق الا في حلال بدون اسراف ولاتقتير ،
ورعاية الرحم وذي القربى ،
ورعاية الجار ،
ورعاية الأعمال الصالحة فلا تكون مراءاة وان تكون لله ،وتكثر منها  ما استطعت .
وان ترعى قلبك فلا ينشغل الا بالله ولا يعظم الا الله ، ولا يطيع الا اياه ، وأن يشكر ولا يسخط ولا يحسد ، ولا يتكبر.
فكل ما أمرك الله به ورسوله وجب ان ترعاه .

تعليقات