العقيدة

هل يوجد أدب اسلامي ؟

 

الأدب الاسلامي  

مصطلح الأدب الاسلامي بين الترويج والرجم :

متى ظهر مصطلح الأدب الاسلامي ؟

في الحقيقة أن بعد ظهور الاسلام في جزيرة العرب وانتشاره شرقا وغربا ، وتأثير روحه وعلومه في النفوس والثقافة ،
وعلى مدار العصور في التاريخ الاسلامي بدءا من الأموي والعباسي والمملوكي والعثماني ، لم يسمع أحد بمصطلح الأدب الاسلامي ، ولم نقرؤه في كتب الأدباء في تلك الفترات .
انما ظهر مصطلح الأدب الاسلامي وتعريفه في القرن العشرين على يد الجماعات الدينية ،
وغاية الترويج للمصطلح هو مناهضة الأدب الاشتراكي والوجودي، فخرج المصطلح اصطناعا،
وكان من الطبيعي أن نتوارث هذا المصطلح من أسلافنا وأدبائنا المسلمين القدامى إن كان قد وُجِد قديما ، لكن ذلك لم يحدث ، انما ظهر حداثة وابتداعا وهذا يشهد عليه التاريخ وكتب الأدب.
حيث أن الأدب العربي في العصور الاسلامية عبر ثلاثة عشر قرنا ظل أدبا عربيا تحت مظلة الاسلام دون أن يتسمى ب الأدب الاسلامي .

تقسيم الأدب :

وتقسيم الأدب الى اسلامي وغير اسلامي ، أشبه بتقسيم الحِكَم والفكاهة الى اسلامي وغير اسلامي .
قال عليه الصلاة والسلام: الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها ممن سمعها ولا يبالي من أيّ وعاء خرجت .


تعريف الأدب :

حين نقوم بالتعريف ينبغي الفصل بين الأدب وبين علم الأدب.
والحقيقة أن علم الأدب هو نتاج لغوي يتميز بالفصاحة والبلاغة ، مثل الشعر والنثر ،
يعبر عن الانسان والناس ومشكلاتهم وقصصهم ، وبغيته الحكمة وتهذيب النفوس وترقيق القلوب ومحاسن السلوك .
يتطور عبر الأزمان في أشكاله وانواعه ونظمه .

في الفرق بين علم الدين وعلم الأدب :

قال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس: " كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع جهله، وكفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل"

استعمال أدوات الأدب :

فاذا أنت سخرت أدوات الأدب والبيان وانواعه وأشكاله مثلا في نشر عقيدة ما ، كما فعل الروس مع الشيوعية مثلا ظهر الأدب الشيوعي ،
واذا أنت سخرت الأدب في نشر العلمانية والالحاد ، ظهر الأدب الوجودي كما فعل بول سارتر .
وكما كان يفعل ملوك وأمراء الدول الاسلامية بقصائد كبار الشعراء في مدحهم لتكريس وتبيث دعائم حكمهم واستمالة عواطف الرعية والشعوب .
فلا جرم أن نرى أو نسمع عن البعض يتحدث عن أدب اسلامي لكن أمر الأدب الاسلامي لا يتعدى سوى أمنيات ودعوات نظرية ومظاهرات دعوية لبعض الكتاب المسلمين ،
وكان يجدر بنا كمحققين وكتّاب ونقاد أن نتحدث في الأدب الاسلامي حين ظهوره ووقوعه في الحياة الأدبية واستمراره لا ليس قبل وقوعه ،
وكيف نتحدث عنه بمفهوم البعض من المسلمين من خلال منظور الشرائع والحدود الاسلامية ؟
فهذا مفهوم مختزل قاصر للأدب الاسلامي فضلا عن أنه مجرد نظريات لم تترجم على الواقع طيلة تاريخ الاسلام الممتد عبر القرون .
انظر مقالنا : الأدب العربي (أنواعه واساليبه )

لماذا لم يتطور الأدب العربي الكلاسيكي :
الأدب العربي اعتمد بقوة على الشعر ، خاصة ما قبل الاسلام،
والشعر العربي بدوره اعتمد بقوة على مدح الملوك وشيوخ القبائل والعشائر والخمر، والغزل، والفخر والحماسة في حروبهم بينهم،
فلما جاء الاسلام بشرائعه نتج عنه ثقافة معينة أثرت في مجالات الشعر العربي هذه ، فتراجع كثيرا حتى أن فطاحل الشعر الجاهلي توقفوا عن صناعة الشعر .
ولم يستمر سوى الخطب والرسائل في الأدب العربي بعد الاسلام
ثانيا : انصراف أهل اللغة الى علوم أخرى كالتفسير ورواية الحديث والفقه .

سبب ازدهار الأدب الغربي والعالمي :

ظني أنه ليس بسبب الحرية في التعبير والكتابة ، بل لأنه اعتمد على أشكال أدبية استطاعت المداومة والاستمرار في الحياة كالقصص القصيرة والروايات الطويلة والمسرحيات .
في المقابل كما أوضحنا ان الأدب العربي لم يساير الأدب العالمي في أشكاله وأنماطه ولم يدخل الى الرواية والمسرحية وظل قابعا في نظم الشعر حتى تراجع وكاد أن يندثر حديثا .

السرّ في الدراما :

اعتمد كثير من الأدباء العرب على مرّ العصور على مجرد سرد الأخبار والأحداث ، حتى أن بعضهم ترك الأدب وانتقل لرواية المحدثين .
أما الأدب العالمي فقد اعتمد على الدراما التي تنسج الأحداث والقصص لها بداية ونهاية ، وصراعا له ذروة وحبكة ، وتحليل لشخصيات القصة وتطورها .
لذا فان خلو الأدب العربي من الدراما هو من الأسباب الرئيسية لتراجعه مقابل الأدب العالمي ،
وهذا يعكس الشخصية السطحية مقابل العميقة والتى ترى المبررات والدوافع والمعاناة والمقدمات والختامات ،
ولا ينبغي انكار تلك الحقيقة التي وراءها أمة أمية رغم معرفتها للبيان والفصاحة اللغوية .

مزج الاجتماع مع الفلسفة :

الأدب قد يكون محليا يرقى الى العالمية حين يغوص في أعماق النفس البشرية ومشاعرها وعلاقاتها ومشكلات المجتمعات كالفقر والظلم والعنصرية والجهل ، ليكون أدباً صرفاً يقبل عليه جميع الناس على الأرض بمختلف أجناسهم وبيئاتهم وديانتاهم ومذاهبهم وفلسفاتهم .
وقد يمزج الأديب، الاجتماع مع فلسفته التي يراها ويعتنقها،
مثل بعض أدباء العرب خاصة في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين ، انظر مثلا بعض كتابات طه حسين أو نجيب محفوظ الأدبية ، والتي أثارت غضب المشايخ والهيئات الدينية .

كتب أدباء المسلمين :

أدب الجاحظ :
في العصر العباسي وهو الذي ولد في البصرة عام 163 هـ وتوفى 255 ؟
فهل نطلق على كتبه في الأدب مثل ( البخلاء) و (الحيوان ) و(البيان والتبيين)
و ( سلوة الحريف بمناظرة الربيع والخريف) و (الحنين إلى الأوطان ) بالأدب الاسلامي على مفهومهم ؟
أدب ابن عبد ربه :
الشاعر الأندلسي المولود عام 246 – والمتوفى 328 هـ)، قال الذهبي عنه في السير :العلامة، الأديب، الأخباري، صاحب كتاب (العقد) وكان موثقا نبيلا بليغا شاعرا سمع: بقي بن مخلد، وجماعة.
كتب في الأدب " العقد الفريد "
والذي يعتبر من أمهات كتاب الأدب العربي.
وشمل خمسين كتابا كلها في جملة الأخبار وفنون الآثار وأشكال المعاني وجواهر الحكم والمواعظ وضروب الأدب ونوادر الأمثال كما ذكر المؤلف لم يضع من بينها كتابا واحدا عن العبادات والحدود
ومن هذين المثلين نستطيع الوثوق بحقيقة أن الأدب في مجمله انساني ليس متعلقا بشعيرة أو عبادة أو رؤية دينية ، وان كان يمكن استخدامه في الدعوة لدين أو فلسفة ما .
ومثل أدب الجاحظ وابن عبد ربه كذلك كان أدب شعراء العصر الأموي والعباسي والأندلسي .

هل غاية الأدب هو الدعوة الى دين بعينه ؟

أم هو في المقام الأول غايته: الانسان والانسانية ،
وما جاءت الرسل والديانات الا لاصلاح حال الانسان والانسانية ودرء الفساد في الأرض ورفع الظلم والتكاتف الاجتماعي .
واذا أصبح الانسان أحسن خلقا كان أكثر قبولا لشرائع الدين والاسلام .
قال تعالى على لسان رسوله الى قومه (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) الأعراف 85.
وقال لموسى وهارون (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) طه 47
ثم إن قصة أرملة عربية كانت أم هندية بوذية أم أوربية ، تحكي عن معاناتها الاجتماعية والنفسية هي واولادها الصغار بعد فقد رب الأسرة ،
وصراعها مع الأقارب والجيران والقرية واكتساب المال وتنشئة الأطفال ، يمكن صياغتها أدبيا واخراجها للناس بعيدا عن أي صراعات دينية أو رؤى فلسفية ومذهبية .

أدب يقبله الاسلام :

انتشار الشغف باطلاق الصفة الاسلامية على كل نواحي وأشكال وانماط الحياة ، فهناك الجلباب الاسلامي ، واللحية الاسلامية والحجاب الاسلامي ولباس البحر الاسلامي والبنك الاسلامي ،
وان كان كل ما سبق يرتكز على فقه اسلامي ، فإن الأدب لا يجوز تقييده بصبغة دينية أو فلسفية وان كانت أدواته تقبل التحميل والتصبغ ،
واقصى ما يمكننا القول ان هناك أدب يقبله الاسلام، وأدب يرفضه ،
وحتى لو كان أدبا من شعر في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم أو رواية تحكي أحداث السيرة النبوية ، فاطلاق " الاسلامي" عليهما هو تجوزا ،
وإنما يظلا عملا أدبيا في موضوعات اسلامية .

ما بني على خطأ فهو خطأ :

هم بنوا مصطلح الأدب الاسلامي على مفهومهم المختزل عن الاسلام ، فالاسلام ليس عقيدة التوحيد وأركانه وحدوده فحسب ، بل هو أيضا في العدل والمساواة والرحمة والسلام والحرية والعمران ومكارم الأخلاق والصدق والأمانة ،
قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل 90 وقال لنبيه ولأمته (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) النساء 58
والله الموفق .

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -