العقيدة

المهدي   



الخليفة المهدي المنتظر 


أغلب علماء السنّة ، والشيعة متفقون على ظهور المهدي آخر الزمان ،والفرق بينهم : في أن الشيعة تقول : أن المهدي موجود مختفي عن العيون منذ أيام العباسيين ،
وأهل السنّة ينكرون ذلك في سخرية ، ويقولون أن المهدي لم يولد بعد ..
وكأنّ أمة محمد صلى الله عليه وسلم والذي قال عنها الله عز وجل(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) آل عمران ، قد خلت من الائمة المهديين.

المهدي في التراث الاسلامي :

شهرة المهدي  :

قال ابن خلدون : " اعلم أنّ في المشهور بين الكافّة من أهل الإسلام على ممرّ الأعصار أنّه لا بدّ في آخر الزّمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيّد الدّين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلاميّة ويسمّى بالمهديّ ويكون خروج الدّجّال وما بعده من أشراط السّاعة الثّابتة في الصّحيح على أثره وأنّ عيسى ينزل من بعده فيقتل الدّجّال أو ينزل معه فيساعده على قتله ويأتمّ بالمهديّ في صلاته ويحتجّون في الشّأن بأحاديث خرّجها الأئمّة وتكلّم فيها المنكرون لذلك وربّما عارضوها ببعض الأخبار " .

أقوال الناس في المهدي أربعة  :

قال ابن القيم في شأن "المهدي " في كتابه " المنار المنيف " :
" وقد اختلف فيه الناس على أربعة أقوال :
أحدها : أنه المسيح ابن مريم ، وهو المهدي على الحقيقة ..
وقال : لأن عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الساعة وقد دلت السنة الصحيحة على نزوله وحكمه بكتاب الله .
فيصح أن يقال : لا مهدي في الحقيقة سواه وإن كان غيره مهديا .
القول الثاني : أنه المهدي الذي ولي من بني العباس ولقد انتهى زمانه .
فهو مهدي من جملة المهديين وليس المهدي الذي يخرج آخر الزمان ، وعمر بن عبد العزيز كان مهديا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ) (رواه الترمذي وابو داود)
القول الثالث : أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من ولد الحسن بن علي يخرج آخر الزمان .
ثم ذكر ابن القيم عدة أحاديث وقال : وهذه الأحاديث وان كان في اسنادها بعض الضعف والغرابة فهي مما يقوي بعضها ببعض ،
 فهذه أقوال السّنة .

واما الرافضية الامامية فلهم :
قول رابع
: وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري ، المنتظر من ولد الحسين بن علي ، لا من ولد الحسن ، الحاضر في الأمصار الغائب عن الأبصار.
وقال : وقد أصبح هؤلاء عاراً على بني آدم ، وضحكة يسخر منهم كل عاقل " . انتهى

الرأي الراجح في المهدي :

أقول : لا يجب الإيمان الجازم بخروج المهدي ، طبقا للرأي الراجح في الأصول :
"أن العقائد لاتؤخذ من أخبار الآحاد بل من المتواتر القاطع الثبوت القاطع الدلالة وأن أخبار الآحاد لا تفيد العلم اليقيني" ،
وقد فرق ابن الصلاح بين ما أسنده البخاري ومسلم وما أسنده غيرهما في افادتهم للعلم اليقيني ، وأحاديث المهدي ليست عند البخاري ومسلم . 
كما أن من ائمة الحديث والخبر ، شككوا في جملة أحاديث الفتن والملاحم ، وحديث المهدي هو واحد منها  كما سنبينه لاحقا . 
ويكفينا ما وقع في القرآن في علامات آخر الزمان والقيامة :
فتح يأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى عليه السلام ، والدابة ،والدخان ، واضطراب السماء والنجوم والخسوف والزلازل .
أما ماعاداها من علامات مذكورة في الأحاديث المرفوعة فلك أن تقبلها أو ترفضها .

ثم إننا لاندري كيف سيجمع الله المسلمين كلهم تحت راية رجل واحد من المسلمين بعد هذا الخلاف الدامي الذي استمر قرونا عديدة ، وبعد أن تقطعت الدولة الاسلامية الى دويلات كثيرة متعددة المذاهب والعقائد دون أن يأتي هذا المهدي ببرهان وسلطان من الله يجعل الناس يخضعون له سوى المسيح عيسى الذي سيهبط من السماء ، قال تعالى (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) سورة النساء

اضطراب الأحاديث المصححة في المهدي :

أولا : فتارة تصف المهدي بالخليفة ، وتارة تصفه بالملك .
ثانيا : كما تشعر أن الأحاديث في المهدي عند السنة والشيعة مصطبغة بصبغة سياسية حول امارة المسلمين ومن هو أحق بالامامة منهم .
قال ابن كثير في " النهاية في الفتن والملاحم " :
فصل : إخبار الرسول عليه السلام ببعض ما سيلاقي آل بيته الكرام من متاعب وأهوال :
وقال ابن ماجه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا علي بن صالح، عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال:
بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اغرورقت عيناه وتغير لونه قال: فقلت ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه،
 فقال: "إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وإن بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريدا حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخبز فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملأها قسطا كما ملئت جورا، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولوحبوا على الثلج".

قال ابن كثير : ففي هذا السياق إشارة إلى بني العباس كما تقدم التنبيه على ذلك عند ذكر ابتداء دولتهم في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفيه دلالة على أن المهدي يكون بعد دولة بني العباس وأنه يكون من أهل البيت من ذرية فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم ثم من ولد الحسن والحسين، كما تقدم النص على ذلك في الحديث المروي عن علي بن أبي طالب والله تعالى أعلم.
ثالثا : وكيف يبشر النبي صلى الله عليه وسلم - أو أي نبي غيره- أمته ، برجل ليس من الأنبياء ؟ يملأ الأرض عدلا بعد ان امتلأت جورا ، فسنة الأنبياء هي التبشير بأنبياء مثلهم وليست التبشير بمن دونهم .
رابعا : الأحاديث المذكورة في المهدي ليست في البخاري أو المسلم ، انما رواها الترمذي وابو داود ، وأهل السنة لا يساوون بين أحاديث البخاري ومسلم وغيرها في القبول والعمل .
خامسا : قول آخر ان المهدي هو عيسى :
أخرج ابن ماجه في سننه والحاكم في المستدرك، وابن عبد البر في " جامع العلم "،
عن الحسن عن أنس مرفوعا بلفظ:
" لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم ".
قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة: وهذا إسناد ضعيف فيه علل ثلاث:
الأولى: عنعنة الحسن البصري، فإنه قد كان يدلس.
الثانية: جهالة محمد بن خالد الجندي، فإنه مجهول كما قال الحافظ في " التقريب " تبعا لغيره كما يأتي.
الثالثة: الاختلاف في سنده.
(قلت: علل الحديث التي ذكرها الألباني يوجد شبيه لها عند نقد الآخرين لأحاديث المهدي المصححة ) .
وقال ابن كثير : وهذا الحديث فيما يظهر بادىء الرأي مخالف للأحاديث التي أوردناها في إثبات أن المهدي غير عيسى ابن مريم، إما قبل نزوله فظاهر والله أعلم، وأما بعده فعند التأمل لا منافاة بل يكون المراد من ذلك أن يكون المهدي حق المهدي هو عيسى ابن مريم ولا ينفي ذلك أن يكون غيره مهديا أيضا، والله أعلم.

جملة أصول أحاديث المهدي المصححة :

(1) في جامع الترمذي باب ما جاء في المهدي :
عن عاصم عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي ".
وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، وأم سلمة، وأبي هريرة.
قال الترمذي : حديث حسن صحيح.
وفي رواية : عن أبي هريرة قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي.
ورواه أبو داود في سننه ، وفي احدى روايته : "يملأ الأرض قسطا، وعدلا كما ملئت ظلما وجورا".

(2) وروى عن قطن بن خليفة عن القاسم بن أبي مرّة عن أبي الطّفيل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" لو لم يبق من الدهر إلا يوم، لبعث الله رجلا من أهل بيتي، يملؤها عدلا كما ملئت جورا "
صححه الألباني

(3) وعن أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " المهدي من عترتي، من ولد فاطمة.

(4) عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما، يملك سبع سنين "
حسنه الألباني

نقد أحاديث المهدي المصححة :

(1) نقد ابن خلدون لأحاديث المهدي :

أفاض ابن خلدون في تضعيف رجال أحاديث المهدي في مقالة مطولة نقلا عن ائمة الجرح والتعديل في مقدمته: " الفصل الثالث والخمسون : في أمر الفاطمي وما يذهب اليه الناس في شأنه وكشف الغطاء عن ذلك" :
نأخذ منه بعض فقرات مختصرة على سبيل المثال :

حديث ابن مسعود فيه عاصم بن أبي نجود :
قال ابن خلدون : قال العجليّ كان يختلف عليه في زرّ وأبي وائل يشير بذلك إلى ضعف روايته عنهما وقال محمّد بن سعد كان ثقة إلّا أنّه كثير الخطإ في حديثه وقال يعقوب بن سفيان في حديثه اضطراب وقال عبد الرّحمن بن أبي حاتم قلت لأبي إنّ أبا زرعة يقول عاصم ثقة فقال ليس محلّه هذا وقد تكلّم فيه ابن عليّة فقال كلّ من اسمه عاصم سيّئ الحفظ.

وفي حديث علي بن أبي طالب :
فيه قطن بن خليفة : قال العجليّ: حسن الحديث وفيه تشيّع قليل، وقال ابن معين مرّة: ثقة شيعيّ. وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: كنّا نمرّ على قطن وهو مطروح لا نكتب عنه. وقال الدّارقطنيّ: لا يحتجّ به. وقال أبو بكر بن عيّاش: ما تركت الرّواية عنه إلّا لسوء مذهبه. وقال الجرجانيّ: زائغ غير ثقة، انتهى.

وفي حديث أم سلمة :
فيه عليّ بن نفيل : ضعّفه أبو جعفر العقيليّ.

وحديث أبي سعيد الخدري :
فيه عمران القطّان، مختلف في الاحتجاج به إنّما أخرج له البخاريّ استشهادا لا أصلا وكان يحيى القطّان لا يحدّث عنه وقال يحيى بن معين: ليس بالقويّ وقال مرّة: ليس بشيء،وقال النّسائيّ ضعيف.

(2) قول محمد رشيد رضا في المهدي :

يقول الشيخ محمد رشيد رضا، عن المهدي المنتظر: "من استقصى جميع ما ورد في المهدي المنتظر من الأخبار والآثار، وعرف مواردها ومصادرها، يرى أ نها كلها منقولة عن الشيعة."

وقال في تفسيره " المنار " :
"فكل حديث مشكل أو مضطرب الرواية، أو مخالف لسنن الله تعالى في الخلق، أو لأصول الدين أو نصوصه القطعية، أو للحسبات وأمثالها من القضايا اليقينية، فهو مظنة لما ذكرنا في هذه التنبيهات، وسبق لنا بيان أكثرها في الكلام على حديث طلوع الشمس من مغربها"

(3) ثلاثة كُتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير:

هو قول الامام أحمد بن حنبل رواها عنه الخطيب البغدادي في كتابه الجامع  :
قال: أخبرنا أبو سعد الماليني، قال: أخبرنا عبد الله بن عدي الحافظ، قال: سمعت محمد بن سعيد الحرّاني، يقول: سمعت عبد الملك الميموني، يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ( ثلاثة كُتب ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير ) .
وهذا إسنادٌ صحيحٌ رواته أئمة ثقات.
وقال الخطيب: "وهذا الكلام محمولٌ على وجه، وهو أنّ المراد به كُتُبٌ مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها، ولا موثوق بصحتها، لسوء أحوال مُصنّفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات القصّاص فيها.

فأما كتب الملاحم، فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة، والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة اتصلت أسانيدها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من وجوه مَرضية، وطرق واضحة جلية.

وأما الكتب المصنفة في تفسير القرآن، فمن أشهرها كتابا: الكلبي ومقاتل ابن سليمان."
ثمّ نقل بإسناده إلى عبد الصمد بن الفضل، قال: سئل أحمد بن حنبل عن تفسير الكلبي؟ 
فقال أحمد: "مِن أوله إلى آخره كذب." 
فقيل له: فَيحلُّ النظرُ فيه؟ قال: "لا."
وروى الخطيب بإسناده إلى أبي إسماعيل الترمذي، عن الأويسي، عن مالك أنه بلغه :
أن مقاتل بن سليمان جاءه إنسان، فقال له: إنّ إنساناً سألني: ما لون كلب أصحاب الكهف؟ فلم أدر ما أقول له،
قال: فقال له مقاتل: ألا قلت: هو أبْقعُ، فلو قلتَ لم تجد أحداً يردُّ عليك.
قال الخطيب: "ولا أعلم في التفسير كتاباً مصنفاً سلم من علة فيه، أو عريَ من مطعن عليه."

ثم تابع الخطيب قوله: "وأما المغازي فمن المشتهرين بتصنيفها وصرف العناية إليها: محمد بن إسحاق المطَّلبي، ومحمد بن عمر الواقدي.
فأما ابن إسحاق فقد تقدمت منّا الحكاية عنه، أنه كان يأخذ عن أهل الكتاب أخبارهم ويُضمنها كتبه ،
وروي عنه أيضاً أنه كان يدفع على شعراء وقته أخبار المغازي ويسألهم أن يقولوا فيها الأشعار ليُلْحِقها بها."
قال الخطيب: "وأما الواقدي فسوء ثناء المحدثين عليه مستفيض، وكلام أئمتهم فيه طويل عريض."
ونقل عن الشافعي قوله: "كتب الواقدي كذب."

قال الخطيب: "وليس في المغازي أصح من كتاب موسى بن عقبة مع صغره، وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره.
فما روي من هذه الأشياء عمن اشتهر تصنيفه وعرف بجمعه وتأليفه هذا حكمه، فكيف بما يورده القصّاص في مجالسهم، ويستميلون به قلوب العوام من زخارفهم؟
إنّ النقل لمثل تلك العجائب من المنكرات، وذهاب الوقت في الشغل بأمثالها من أخسر التجارات."

وقال يحيى بن معين: "وهذه الأحاديث كلها التي يحدثون بها في الفتن، وفي الخلفاء، تكون كلها كذب وريح، لا يعلم هذا أحد إلا بوحي من السماء."


تعليقات
تعليق واحد
إرسال تعليق
  • Yasma
    Yasma 23‏/9‏/2021, 2:51 ص

    الكثير من المسلمين لا يعلمون هذه الاختلافات
    أجمل ما سمعت فى هذا الموضوع من الشيخ على جمعة : المهدى المنتظر مش منتظر عندنا
    جزاك الله خير يا رب 🧡

    إرسال ردحذف



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -